فقال قائل منهم : أرى أن تربطوه في الحديد ، وتغلقوا دونه الأبواب حتّى يموت ، وقال آخر : أرى أن تخرجوه من بين أظهركم ، فتستريحوا منه ، وإن قتله غيركم كفاكم شرّه ، وإن ظفر بالعرب فعزّه عن عزّكم ، فقال أبو جهل : الرّأي عندي أن تخرجوا له من كل قبيلة رجلا ، فيقتلوه دفعة واحدة ، فيتفرّق دمه في القبائل ، فيعجز قومه عن طلب الثّأر به . فقال الشّيخ النّجديّ : هذا واللّه هو الرّأي . فتفرّقوا على ذلك .
[ الإذن بالهجرة ]
فأخبر / جبريل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم بما قصدوا له ، وأمره بالهجرة ليلة كذا ، وهي اللّيلة الّتي علم اللّه سبحانه أنّهم يمكرون به فيها .
وفي ذلك يقول اللّه سبحانه وتعالى :
وإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِين كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك
- أي : يحبسوك -
أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك ويَمْكُرُون ويَمْكُرُ اللَّه
- أي : يحاربهم اللّه -
واللَّه خَيْرُ الْماكِرِين
[ سورة الأنفال 8 / 30 ] « 1 » .
[ الإسرار إلى أبي بكر رضي اللّه عنه بالهجرة ]
وكان أبو بكر رضي اللّه عنه قد تجهّز للهجرة إلى ( المدينة ) ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك - أي : أمهل - فإنّي أرجو أن يؤذن لي فيها » . فعلف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق التّمر « 2 » .
هامش
( 1 ) قلت : قد يقول قائل : ما بال الترتيب في هذه الآية لم يأتي على حسب الواقع ، ولم وسّط اللّه القتل مع أنّه كان في المشاورة بدار النّدوة آخرا ؟ .
والجواب : أن هذا من عجيب أسلوب القرآن ، وبديع طريقته ، ذلك أن الرّأي الّذي اختاروه هو القتل ، فجاءت الآية على هذا النّسق البديع من توسيط القتل بين الحبس والإخراج ، لتدل الآية بوضعها وترتيبها على الرّأي الوسط المختار ، وهو سرّ من أسرار الإعجاز . فللّه رب التنزيل ما أكرمه وما أبلغه .
( 2 ) قلت : كان عند أبي بكر راحلتان ، فقال أبو بكر للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : خذ بأبي أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ هاتين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« بالثّمن » . فأخذ إحداهما ، وهي : القصواء . وإنّما اشترط النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يكون ذلك بالثّمن مع أن أبا بكر أنفق ما له في سبيل اللّه ورسوله ؛ لأنّه أحب ألّا تكون هجرته إلّا من مال نفسه . وكان ثمنها أربع مائة درهم .