ولا أغضبهم ولا أغاظهم ، بل كان مصوّبا ومقاربا لهم ، ألا ترون أنه قال لهم :
« وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
« 1 » وأنه قال لهم :
( لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ، لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ )
« 2 » . قالوا : وإنما توعد بالحرب وزال عن هذا حين صار بالمدينة وفي جماعة . وهذا يقوله ابن الراوندي حين اجتمع مع لاوى اليهودي ، وساعدهما أمثالهما من الأشقياء حين نظروا ودبّروا وكادوا المسلمين ، فانصرفوا عن الضرورات بالتأويلات وسمّوا الكتاب الذي ضمنوه هذا وأمثاله كتاب الدامغ « 3 » .
وكل عاقل سمع الأخبار يعلم علما يقينا لا يرتاب به ، أنه صلّى اللّه عليه وسلم حين ادّعى النبوة وساعة انتحل الرسالة كاشف بدعوة الاخلاص ، وأكفر كلّ من خالفه ، وادّعى أنه يظهر ويغلب ، وأنه يصير في جماعات وعساكر ، وأنه يقتل أعداءه ومخالفيه ويذلهم ، وأن العقبى تكون له . ثم أكّد ذلك بأن جعله قرآنا يتلى .
فمما نزل بمكة من ذلك ، قوله :
« أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ »
« 4 » ، وقوله :
« جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ »
« 5 » ، وقوله :
« وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً »
« 6 » ،
هامش
( 1 ) سبأ 24
( 2 ) القصص 55
( 3 ) كتب في هامش الأصل : كتاب الراوندي ، وقد سبق أن عرفنا به . انظر 1 : 51 من الكتاب .
( 4 ) القمر 44
( 5 ) ص 11
( 6 ) يونس 65