تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تثبيت دلائل النبوة — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
جمله ومعه مولى على جمل آخر ، فانتهى إلى ماء فنزل ونزع جرموقيه « 1 » وأخذ برأس بعيره وخاض الماء ، فقال له أبو عبيدة : لقد صنعت صنيعا عند أهل هذه الأرض ، كأنّ أبا عبيدة كره له كل هذا التواضع والتبذل وهو سلطان المسلمين ، وعدوّه / كثير ، وهم يرونه ، وقد سلبهم ملكهم وعزهم ، وعيونهم وجواسيسهم معه يرون ذلك ويبلغونه ملك الروم ، وللروم عناية شديدة بمعرفة حال عدوهم ، وظنونهم سيئة ، وتيقظهم دائم ، حتى أن لهم إلى هذه الغاية مع ضعف الاسلام وذهاب أهله جواسيس وعيونا متوالية إلى أقاصي خراسان ، وفي كل الاسلام ، ومن يصير لهم في مكة في كل سنة فيشهد الموسم ويرجع إليهم بالخبر . فقال عمر لأبي عبيدة : هاه ، رافعا بها صوته ، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة ، كنتم أذل الأمم ، فأعزكم اللّه بالاسلام ، ومهما تطلبوا العز بغيره يذللكم اللّه . ولما ورد الشام وقدم الجابية وهو على جمل أورق ، تلوح صلعته من الشمس ، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة ، بين عمودين ، ووطؤه فرو كبش نجديّ ، وهو وطؤه إذا ركب ، وفراشه إذا نزل ، وحقيبته شملة محشوة ليفا ، هي وسادته إذا توسد ، عليه قميص من كرابيس قد انخرق بعضه . ولقيه أمراء والأجناد في مواكبهم ، فكلما لقيه أمير منهم فسلم عليه قال له امض ، فردّه ، ولقيه الأسقف ، فقال حين رآه لاساقفته : ثكلتكم أمهاتكم ، هل رأيتم رهبانية أو ديرانية أو سياحة مثل هذا ، هذا ملك الأرض ، فانظروا إليه وإلى حاله .
هامش
( 1 ) الجرموق : هو ما يلبس فوق الخف . القاموس 3 : 217
تثبيت دلائل النبوة — صفحة 335 | القاضي عبد الجبار الهمذاني / عبد الكريم عثمان