تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تثبيت دلائل النبوة — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
ولما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من هذه الغزاة يريد المدينة ، فلما قرب اعترض ابن عبد اللّه بن أبي بن سلول هذا أباه واعتقل جمله وثنى ركبته ، فقال له أبوه : مالك يا بني وما تريد ، فقال له : واللّه لا دخلت المدينة أو يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأعزّ وأنا الأذل ، فما زال يدافعه ويسأله تركه وتخليته فلا يفعل ، ويمر به الناس على طبقاتهم في سيرهم ، فمنهم من يسأله الصفح عنه والتخلية له ومنهم من لا يفعل ، وأصحابه وأعوانه يرون ذلك به ويشتد حسرتهم عليه ، فما أفرج ابنه عنه حتى قال ذلك ونادى على نفسه . فتأمل ما في هذا من دلالات وعلامات وآيات بينات تدل كل عاقل استدل بها على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وصدقه وفيه من ذلك أكثر مما شرحنا فتأمله تجده وهؤلاء المنافقون كبراء ورؤساء في قومهم ، وكانوا مطاعين ولهم / أتباع ، وقد كان اليهود يجلسون إلى عبد اللّه بن أبي بن سلول ويعظمونه ويجلّونه ويزيدون في ذلك لأجل عداوته للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ويبعثون الأوس والخزرج على طاعته ، ويقولون : سيدكم القديم ولحمكم ودمكم ، وإنما محمد وأصحابه دخلاء فيكم . وقد كان الجدّ بن قيس أحد السادة القدماء المطاعين في بني قيلة من الأوس والخزرج « 1 » ، وقد كانت سبيله في النفاق سبيل عبد اللّه بن أبي بن سلول . فإن قال قائل : قد لعمري كان هذا من سيرة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأفعاله وهو بخلاف سيرة حزمة الملوك ، ولن يقوم الملك بمثل هذا التدبير ، ولكن إنما فعل محمد هذا في آخر أمره وحين صار بالمدينة وصار في عساكر وجماعات ، وحين استتب أمره ، فألا فعل هذا بمكة ؟
هامش
( 1 ) كان الجد بن قيس المتخلف الوحيد عن بيعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيعة الرضوان . ثم تخلف عن غزوة تبوك ونزلت فيه الآية : ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تغتني ) . سيرة ابن هشام ج 2 : 316 ، 516