المسلمين ، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها . وجاءت قريش والقبائل من وجه آخر ، وأشار سلمان الفارسي رحمة اللّه عليه بحفر خندق ، وكان هذا أول مشهد شهده سلمان . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحفر الخندق وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها / ، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل فيها المعول فهموا بالتعريج عنها ، ثم قال قائل : عرفوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر بإزاء العدو . فنزل صلّى اللّه عليه وسلم إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة فثار منها برقة عظيمة . فكبر وكبر المسلمون ، وقال : رفعت لي صنعاء واليمن فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها . ثم ضرب أخرى فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال : رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها . ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر المسلمون وقال : رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها فأبشروا . وتصدعت الصخرة فصعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الخندق وهو مستبشر مسرور ، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور .
وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم ، فطفره عمرو بن عبد ودّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، وخالد بن الوليد ، وضرار بن الخطاب ، وأقاموا أياما يحاربون ، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب ، ويقتحمون على المسلمين . فأرسل اللّه عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم وأبنيتهم ، ونفرت خيولهم وإبلهم ، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم ، ومروا هرابا على وجوههم ، وكفى اللّه المؤمنين قتالهم ، وبات المسلمون من تلك الريح في كل عافية .
فإن قيل : ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى ، قيل له : قد جاء مجيئا إذا
تثبيت دلائل النبوة — صفحة 450
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٥٠