فقال يا رسول اللّه انّ أبى كان قد خلفني على أخوات لي سبع وقال يا بنى انه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهنّ ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه على نفسي فتخلف على اخوتك فتخلفت عليهنّ فأذن له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فخرج معه ولم يخرج ممن لم يشهد قتال أحد غيره فلما سمعوا النداء تسارعوا إلى الخروج ولم يشتغلوا بالتداوى فخرجوا مع الجراحات المتعدّدة واستعمل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على المدينة ابن أمّ مكتوم فيما قاله ابن هشام وخرج وهو مجروح مشجوج مكسور الرباعية مكلوم الشفة متوهن المنكب الأيمن من ضرب ابن قميئة وفي المنتقى وشفته العليا قد كلمت من باطنها وخرج لابسا سلاحه ووقف على الطريق راكبا حتى لحق به أصحابه فأنزل فيهم الذين استجابوا للّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ودفع لواءه وهو معقود لم يحلّ بعد إلى علي بن أبي طالب وقيل إلى أبى بكر الصدّيق ونزل إليه أهل العوالي وقدّم ثلاثة نفر من أسلم طليعة فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم كما مرّ فبصروا بالرجلين فرجعوا إليهما فقتلوهما ومضى رسول اللّه وأصحابه حتى نزلوا بحمراء الأسد وعسكروا هناك ودفنوا الرجلين في قبر واحد فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء وأمر حتى أوقدوا تلك الليالي خمسمائة نار فذهب صيت عسكرهم ونارهم إلى كل جانب فكبت اللّه بذلك عدوّهم فمرّ برسول اللّه معبد بن أبي معبد الخزاعي بحمراء الأسد وهو يريد مكة وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ كان مشركا فقال يا محمد أما واللّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا انّ اللّه عافاك فيهم ثم خرج ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وقالوا أصبنا أحدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم فمنعهم صفوان ابن أمية عن ذلك فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرّفون عليكم تحرّفا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال واللّه ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فو اللّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل قال فانى أنهاك عن ذلك واللّه لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من شعر قال وما قلت قال قلت
كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
وذكر أبياتا فتر ذلك أبا سفيان ومن معه فقذف اللّه في قلوبهم الرعب والتزلزل حتى رجعوا عما هموا به فارتحلوا سراعا وذلك قوله تعالى سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب * ومرّ به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا قالوا نعم قال فإذا وافيتموه فأخبروه انا قد أجمعنا الرجعة والسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فبعث معبد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم من يخبره بما وقع من استخبار أبي سفيان عنه وجوابه ومنع صفوان إياه عن الرجعة واندفاعهم إلى مكة فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أرشدهم صفوان وما كان برشيد وقال صلّى اللّه عليه وسلم وهو بحمراء الأسد حين بلغه انهم هموا بالرجعة والذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب كذا في سيرة ابن هشام والاكتفاء * فمرّ الركب برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه