وأول من شجع على انتشار مذهب مالك الرشيد حيث أمر عامله على المدينة بان لا يقطع أمرا دون أن يأخذ رأي مالك ، كما كان يجلس على الأرض لاستماع حديثه تكريما لمالك وتعظيما لمذهبه .
ثم أصدر أوامره بأن لا يهتف أيام الحج إلا مالك ، فأخذ الناس يزدحمون عليه وتوافدت إليه الوفود من سائر الأقاليم لاستماع حديثه وأخذ الأحكام الشرعية منه . وكان لا يدنو إليه أحد لما أحيط به من التقدير الرسمي . فقد اجتمع به غلمان من السود غلاظ شداد يأتمرون بأمره ، وينكلون بمن شاء أن ينكل به .
لقد علا شأن مالك بما أعطي من السلطة من مكانة مرموقة وعناية بالغة اولتها له الحكومة العباسية كما أولت غيره من أئمة المذاهب الثلاثة الأخرى . والغرض من ذلك واضح كل الوضوح وهو إضعاف كيان أئمة أهل البيت عليهم السّلام والقضاء على الشيعة الذين كانوا من أقوى الجبهات المعادية للحكم العباسي الظالم . لكنهم فشلوا وبقي الشيعة يجاهدون وما زالوا في اعلاء كلمة الحق وصيانة الدين الاسلامي من الانحراف والتزوير . قال تعالى :
يُرِيدُون لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّه بِأَفْواهِهِم واللَّه مُتِم نُورِه ولَوْ كَرِه الْكافِرُون
،
هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَه بِالْهُدى ودِين الْحَق لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّين كُلِّه ولَوْ كَرِه الْمُشْرِكُون
« 1 » . ولا يخفى على أحد من المؤرخين وعلماء الحديث والصحابة المؤمنين أن الطائفة الشيعية حملت لواء الاصلاح وثارت في وجه الطغاة والظالمين المستبدين ، وحفل تاريخها بالمآثر الطيّبة والمفاخر الحميدة وخدمة الاسلام مهما كلف الثمن . لقد جاهدوا ضد الظالمين لأن السكوت عن الظلم خيانة شرعية ، والسكوت عن الظالم يعني مساعدته على ظلمه فلا بد إذن من المقاومة الشرعية . وأول المقاومين للظلم بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام وقد كلفه ذلك جهادا مريرا وحروبا دامية ضد المنحرفين عن الدين القويم أمثال
هامش
( 1 ) سورة الصف ، الآيتين 8 - 9 .