هذا المخطّط العباسي اعتمد على عدة أمور خلاصتها : اشغال المسلمين بالقضايا العقائدية وتفرقتهم وابعادهم عن الشؤون السياسية ، من هنا وجدنا النوادي في بغداد ويثرب والبصرة وسائر أنحاء العالم الاسلامي تعج بالمناظرات الكلامية ، والجدل الفلسفي واحتجاج كل فريق على الفريق الآخر لتثبيت نظريته ودحض نظرية الآخرين ، وكل هذه الفرق كانت تدور وتجول حول الإطار العقائدي في الاسلام . وقد وجهت الحياة العلمية في العصور العباسية إلى احداث المذاهب الإسلامية بعيدا عن الحياة السياسية التي يعيشها عامة المسلمين . ونقطة هامة أخرى اعتمدها المخطط العباسي هي : عزل أئمة أهل البيت عليهم السّلام عن الحياة السياسية ، والرقابة المشددة عليهم ، ومنع الاتصال بهم ، وابعاد الناس عن الأخذ منهم فيما يعود إلى الأمور العقائدية ومعالم الدين الإسلامي . لذلك وجدنا المنصور الدوانيقي يعهد إلى الإمام مالك ، أحد رؤساء المذاهب الأربعة وضع كتاب في الفقه يحمل الناس على العمل به قهرا ، فامتنع مالك أول الأمر ، وهو تلميذ الإمام جعفر الصادق ، ثم رضخ لأوامر المنصور بعد الترهيب والترغيب فوضع كتابه المعروف بالموطأ . منذ ذلك الوقت بدأت الحكومات العباسية تساند أئمة المذاهب الأربعة ، وتنشر فقههم ، حتى أنها حملت الناس على العمل بهذه المذاهب بعد أن اغدقت عليهم الأموال الطائلة ، وكرمتهم تكريما عظيما لابعاد الناس عن المذهب الجعفري ، مذهب الإمام الصادق ومذهب أئمة أهل البيت المتخذ برمته عن جدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، المتخذ عن النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي هو أول من وضع بذرة التشيع ، هذه البذرة الطيبة المباركة ، ونماها وتعاهدها بالسقي والعناية « 1 » .
باب الحوائج الإمام موسى الكاظم ( ع ) — صفحة 84
مساهمون: حسين الحاج حسن
ص٨٤
هامش
( 1 ) قال الإمام كاشف الغطاء ( قدس اللّه مثواه ) : إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية - فوضعت بذرة التشيع مع بذرة الاسلام جنبا إلى جنب وسواء بسواء ، ولم يزل غارسها يتعهدها بالسقي والعناية ، حتى نمت وازدهرت في حياته ثم - - أثمرت بعد وفاته ( أصل الشيعة وأصولها ص 87 - 88 ) .