تخطي إلى المحتوى الرئيسي

باب الحوائج الإمام موسى الكاظم ( ع ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وهنا يتجلى معنى الصبر الجميل على النوائب والدواهي وهنا تبرز البطولات الخالدة على صفحات التاريخ . فأين مزار هارون الرشيد والمنصور والهادي ؟ ؟ لقد اندثرت معالمهم ، ومات ذكرهم معهم وبقي ذكر الإمام الكاظم كأبيه وأجداده حيّا نضرا فوّاحا ، كلما ذكر محمد وآل محمد عليهم السّلام . إن الشفاه التي ترتل اسمه عليه السّلام كما ترتل آيات التنزيل ، والقلوب التي تلهج بحبه ، والعقول تتحرك بالاعجاب به ، ليست وقفا على المسلمين ، ولا على الفئة الأولى من تاريخ الإسلام . فهذا أمر ينطبق على الذي يتفوّق بحال من الأحوال ، أما أهل البيت فهم لكل حال ولكل الأجيال ، والإمام الكاظم والأئمة جميعا باقين في الوجود منذ أن أبدع اللّه الخير والمجد والكمال . لقد ذهب الأمويون والعباسيون ، وانطفأت قناديل حياتهم لأنهم كانوا محكومين بغرائز الأمرة والاستبداد وحب المال والضياع ، أما الأئمة المعصومون فقد تمسّكوا بشريعة الاسلام وأحكامه ، ومبادي الرسول الأعظم وأخلاقه ، فكان لهم مواقف ثابتة حافظوا عليها ، وحقوق معلنة ماتوا دونها . قالوا كلمة الحق فلهج بها التاريخ ، ووقفوا المواقف الحقّة فنسخت عن صحفهم البطولات ، وبقيت مشاعل صدقهم وشهادتهم كواكب مشرقة قبالة الشمس ، لأنها تستوحي من نهج رسول اللّه ، وتتوهج من نور اللّه . الحقيقة ان الكل هباء ، فوات ، تراب ، فناء ، ما لم يتطلع إلى سمو الحقيقة العليا ، إلى اللّه جل جلاله . فهو وحده الذي يبقى ، اما الذي لا يحب البقاء في رحاب رضوان اللّه فهو ميّت جسدا وذكرا ، وله جهنم وبئس المصير . فالموقف الموقف ، والصدق الصدق ، والعدل العدل ، والحق الحق ، والصبر وكظم الغيظ ، وهذه كلها من شمائل أئمتنا التي بها فضّلوا على الناس ، ومن أجلها استشهد الشرفاء الأتقياء . والإمام الكاظم ذلك العظيم ، هزئ بالموت فإذا به ذو عرش على قلوب الملايين ، يحتل قلوبهم ، ويتملّك مشاعرهم ومحبّتهم وحسبه أنه قال للموت هازئا به : قد تجيء أيها الموت في كل لحظة ، وترمي بالأحياء في غيابات المجهول ، ولكني لا أخافك ولا أهابك ، أريد أن تموت أنت وأن أحيا أنا إلى الأبد أبقى قطرة في محيط التاريخ ، وأتجاوز السنين والعصور وأبقى مع الخالدين .