كذلك بحثنا مسألة خلق القرآن ، وهي من أعظم المشاكل وأشدّها تعقيدا ، ومن وجوه تعقيدها أن تحسب من عوامل الانحطاط في المجتمع ، ومن أسباب دفعه إلى التفرقة ، فهي قد تكون مشكلة تتجه إليها الأفكار وتعقد حولها المناظرات لتكون مادة تسلك بها مسالك الاستدلال وطرق الاستنتاج ، وتقابل الحجة بالحجة ، ويلاقى الرأي بالرأي على منهج التيارات الفكرية التي ظهرت في تلك المرحلة ، وتمثلت في أفكار واعتقادات كان حافزها الدفاع عن الإسلام ودحض افتراءات أهل الكتاب . لكن أغراض أهل الحكم والسلطان جعلتها كبقية الأفكار والتيارات ، وسلبتها ميزتها وأهم خصائصها ، فباتت واحدة من أسلحة الخلفاء التي تنتهك بسببها الحرمات والأموال والدماء ، وأحدثت نتائج بالغة الضرر ترتّبت على أساليب السلطة الملتوية والسيئة في تبنّيها لأفكار المعتزلة ، وقد أشرنا إلى مسؤولية رجال العقل من المعتزلة في ذلك وكأنهم التذّوا بالسلطة كما التذّ بها من سبقهم .
وكانت مرحلة المأمون وخلفيه ، قد أدت إلى زيادة وترسيخ علاقة العامة بالسلطة ، واستسلامها للنظرة التقليدية التي عمل على رسمها بصفتها الدينية وصلاحياتها الواسعة رجال متعددون ، ارتبطوا بالخلفاء ، وأذعنوا لرغبات الحكام فكانوا من أسباب الفرقة وحماية الظلم .
ثم اخترنا قضية البدع والضلالات ، والتي أصبحت تطلق بلا روية ، وتخضع للأهواء حتى شملت الطوائف جميعها .
كما اخترنا من عوامل تخلف المجتمع وانقسامه مسألة القصّاص ودورهم في استماله العامة وخدمة الحكام وجبروت الملوك ، ثم ألحقنا بهذا العامل - من حيث التأثير - قضية التصوّف وما أدت إليه من مستوى عقلي يتقبّل الخرافات ويقبل على الأوهام .
ومن يبحث ير أمورا أخرى عملت في جسم المجتمع تمزيقا ، ودفعت به إلى مهاوي التخلف . غير أنّا اخترنا هذه العوامل من غير أن ننكر دور العوامل الأخرى ، وهي في عمومها ما زالت آثارها باقية حتى الآن نسعى - واللّه من وراء القصد - إلى إظهار ظروف قيامها وتحكيم العقل والنظرة الواعية التي تسمو عن التعصب والجهل لنعود إلى أصول العقيدة ، والبحث المنصف يسهم بتحقيق هذا الهدف ، لأن الكشف
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 88
مساهمون: اسد حيدر
ص٨٨