فإذا أعدنا النظر إلى الظروف التي نشأت فيها حركات الغلو والتي بحثنا عواملها وكونها من المؤامرات على الشيعة ، نجد برنارد لويس يتبنّى الرأي الذي حاوله الحكام وقاموا بترويجه بظهور الفرق وأنصاف الفرق بين جماعات كانت مذاهبهم متعددة ومزيجة ، وأن النصف الأول من القرن الثامن كان فترة نشاط هائل بين الشيعة المتطرفين . ويقول : وكان التحول من طائفة أو رئيس إلى آخر سهلا ومتكررا . وتسمي المصادر الإسلامية الكثير من المبشرين الدينيين الذين كان بعضهم أشخاصا من أصل وضيع قادوا ثورات ووصفوا للسيف ، وتعزى لبعضهم عقائد أصبحت فيما بعد خاصة بالإسماعيلية « 1 » . ويشير إلى العراق لذات الغرض الذي توخّاه الطاعنون على الشيعة ، ولكنّا نجده متفهّما لظروف الدعوة الإسماعيلية ومعتقداتهم فيقول : ويمكن وصف الفترة الواقعة بين القرن الثامن الميلادي وأوائل القرن التاسع بأنها فترة استعداد ، نظم خلالها إسماعيل وابنه محمد وعدد من الأتباع المخلصين بناء هذه الفرقة والدعوة لها ، وتختلف تعاليمهم اختلافا بيّنا عن تعاليم السنّة ، كما أنها تضم كثيرا من الأفكار الأفلاطونية الحديثة والهندية ، وقد تمكنوا من إدخال هذه الأفكار بقولهم بمبدإ التفسير الباطني الذي يجعل لكل آية معنيين : أحدهما ظاهر وحرفي ، والآخر باطن لا يقف عليه إلا أهل العلم . وكانت التعاليم السرّية لهذه الفرقة تنشر على مراتب من التنشئة ( . . . . ) لا يرقى إلى أعلى مراتبها إلا من يتم تحوله إلى المذهب الإسماعيلي ، وكان من شأن هذا التنظيم السري أن ساعد الإسماعيلية على البقاء والازدهار على الرغم من يقظة شرطة العباسيين « 2 » . وخلاصة القول ، فإن الكتّاب الإسماعيليين يكشفون عن عناصر قيام معتقدات الفرقة الإسماعيلية ، وننتهي إلى حقيقة أن الإمامة والافتراق عن خطها بعد سنين طويلة من موت إسماعيل وحقائق سيرة ابنه محمد هي المنفذ ، فهم يقولون أن الفكرة الإسماعيلية ليست وليدة حادثة معينة أو تفكير استبدّ بشخص أو جماعة في أمر من الأمور ، أو حال من الأحوال ، بل هي امتداد أزلي لنظرة أزلية عاشت في دم الإنسانية
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 470
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٧٠
هامش
( 1 ) الدعوة الإسماعيلية لبرنارد لويس ص 39 .
( 2 ) العرب في التاريخ ص 150 - 151 .