بوادرها كان ظهورها في ضلال الحكّام وحواشي عظمتهم . واستطاع الظلمة والمتجبرون أن يجعلوها سلاحا فتاكا في حملتهم ضد أهل البيت وشيعتهم ، فأسهموا في نشاط تلك الفرق ، وسهّلوا لهم التظاهر والادعاء بحب أهل البيت ، وقد عالج الأئمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسّلام مشكلة تسلل الغلاة ودخولهم في صفوف المسلمين ، فكان الإمام الصادق يلعن أبا الخطّاب وأصحابه وجميع الدعاة إلى الإلحاد والغلو ، ويفضح أصولها ومصادرها ، ومن أقواله عليه السّلام : « إنّا أهل بيت صادقون لا نعدم من كذّاب يكذب علينا عند الناس ، يريد أن يسقط صدقنا بكذبه علينا » . ثم ذكر المغيرة وبزيع والسري وأبا الخطّاب ومعمّر وبشّار الشعيري وحمزة اليزدي وصائد النهدي فقال : « لعنهم اللّه أجمع ، وكفانا مئونة كل كذاب » . وقال عليه السّلام : « إن قوما يزعمون أني لهم إمام ، واللّه ما أنا لهم بإمام ، مالهم لعنهم اللّه ، أقول كذا ويقولون كذا . إنما أنا إمام من أطاعني . ومن قال بأننا أنبياء ، فعليه لعنة اللّه . ومن شك في ذلك فعليه لعنة اللّه » « 1 » . وإذا كان الفاطميون قد أملوا على قاضيهم أن يثبت البراءة من أبي الخطّاب لتنزيه معتقداتهم ، فإن بقية الإسماعيلية لم يوافقوهم على ذلك ، كما لم يوافقوهم على أعمالهم الأخرى كمحاربتهم القرامطة والتصدّي لجرائمهم ، وقد ألمحنا إلى أن التاريخ الإسماعيلي يظهر عليه الاضطراب وعدم الانسجام ، لأن هناك فراغا وثغرات ظلت ظاهرة لم تنفع في ملئها المحاولات الكثيرة ، وقد أدى ذلك إلى أقوال غير واقعية ، وآراء لا نصيب لها من الصحة ، كالقول بأن بذور حركة الإسماعيلية قد بذرت في عهد جعفر بن محمد . يقول عارف تأمر - وهو من الإسماعيلية - : ولا يوجد هناك من يستطيع إنكار هذه الحقيقة ، وقد كانت هذه الدعوة سرّية ، وكان يعمل لها في الخفاء إسماعيل بحياة أبيه ، يعاونه الداعية الكبير أبو الخطاب ، وجاء بعد إسماعيل ولده محمد ، وكان على جانب كبير من العبقرية والثقافة راجح الفكر ثاقب النظر « 2 » . وهذا تحكم واضح ، وقول يبعد عن الواقع ، ولا أساس له من الصحة ، ولكنه يعتقد كبقية الإسماعيلية أن محمد بن إسماعيل خرج من المدينة إلى الكوفة مصحوبا بأخيه وجماعة حركته ، واستتر ، فبنوا تاريخا لمحمد بن إسماعيل على مقتضى التنظيم
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 464
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٦٤
هامش
( 1 ) انظر بحث : الغلاة ، المجلد الأول ، الجزء الأول من الإمام الصادق والمذاهب الأربعة .
( 2 ) مقدمة كتاب عبقرية الفاطميين لمحمد حسين الأعظمي ص 14 .