فرجع حتى يكسوه . وكان يذبح كل يوم كبشا لأضيافه ، وخرج على المأمون في سنة تسعة وتسعين ومائة بمكة ، واتبعته الزيدية الجارودية ، فخرج لقتاله عيسى الجلودي ، وبعد قتال طويل تفرّق جمع محمد ، فأخذه المأمون ، ولما وصل إليه أدنى مجلسه منه وأكرمه وأحسن جائزته ، وكان مقيما معه بخراسان ، يركب إليه في موكب من بني عمه ، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمله السلطان من رعيته . وقد أنكر المأمون ركوبه إليه في جماعة من الطالبيين الذين خرجوا على المأمون سنة مائتين فآمنهم ، فخرج التوقيع إليهم : لا تركبوا مع محمد بن جعفر ، واركبوا مع عبد اللّه بن الحسين . فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم ، فخرج التوقيع : اركبوا مع من أحببتم . فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب ، وينصرفون بانصرافه . وأخبر محمد بن جعفر : أن غلمان ذي الرئاستين قد ضربوا غلمانك على حطب اشتروه . فخرج مؤتزرا ببردين ومعه هراوة وهو يقول : الموت خير لك من عيش بذل وتبعه الناس حتى ضرب غلمان ذي الرئاستين ، وأخذ الحطب منهم . فرفع الخبر إلى المأمون ، فبعث إلى ذي الرئاستين فقال له : ائت محمد بن جعفر ، فاعتذر إليه وحكّمه في غلمانك . فخرج ذو الرئاستين إلى محمد بن جعفر . قال موسى بن سلمة : فكنت عند محمد بن جعفر جالسا حتى أتى ، فقيل : هذا ذو الرئاستين . فقال : لا يجلس إلا على الأرض ، وتناول بساطا في البيت ، فرمى به ، ولم يبق في البيت إلا وسادة ، وجلس على الأرض ، فاعتذر إليه وحكّمه في غلمانه . وتوفي محمد بن جعفر سنة 203 ه ، فركب المأمون ليشهد جنازته ، وقد خرجوا به ، فلما نظر إلى السرير نزل فترجّل ومشى حتى دخل بين العمودين ، فلم يزل بينهما حتى وضع ، فتقدم وصلّى عليه ، ثم حمله حتى بلغ به القبر ، ثم دخل قبره ، فلم يزل فيه حتى بني قبره ، ثم خرج فقام على القبر حتى دفن ، فقيل له : لو ركبت ؟ فقال : هذه رحم قطعت منذ ثمانين سنة ، فأحببت أن أصلها « 1 » . ومات محمد بن جعفر عن عمر ينيف على السبعين كما ذكره الذهبي في الميزان ، وقبره بجرجان « 2 » . وما ذكره
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 427
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٢٧
هامش
( 1 ) الإرشاد للمفيد 169 . وصحاح الأخبار لسراج الدين ص 54 .
( 2 ) . 3 / 35 .