تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤

وقد قلنا في القسم الأول ، إن الحديث لا يخلو من خدشة في السند ، فإن أبا الزبير - وهو أحد رواة هذا الحديث - قد تكلموا فيه وطعنوا . كما أن صرف الحديث إلى إرادة مالك دون غيره يبقى ضعيفا ولا يتجه . لأن الحديث يراد به المنزلة العلمية للمدينة أولا ، ولرجل العلم فيها ثانيا الذي عيّن بصفات عامة تدور مع حركتها العلمية ومنزلتها ، ولا يتمكن شيوخ المالكية من نفي ذلك وهم يسوقون الحديث ، فابن فرحون يذكر تأويل محمد بن إسحاق المخزومي : ( ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة ، كان بها أو بغيرها ، فيكون على هذا سعيد بن المسيب - كما يرى - لأنه النهاية في وقته . ثم من بعده غيره ممن هو مثله من شيوخ مالك ، ثم بعدهم مالك ، ثم بعده من قام بعلمه وكان أعلم أصحابه بمذهبه ، ثم هكذا ، ما دام للعلم طالب ولمذهب أهل المدينة إمام ، ويجوز على هذا أن يقال هو ابن شهاب في وقته ، والعمري في وقته ، ومالك في وقته ) . وتعلّق المالكية بدار الهجرة وشهادة السلف . قال القاضي عبد الوهاب : لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب ، إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة فيقول هو إمامي . ونحن نقول إنه صاحبنا بشهادة السلف له ، وبأنه إذا أطلق بين العلماء قال عالم المدينة وإمام دار الهجرة فالمراد به مالك دون غيره من علمائها ، وقال القاضي عياض : فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه ، الأول : تأويل السلف أن المراد به مالك ، وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق . الثاني : شهادة السلف الصالح له وإجماعهم على تقديمه يظهر أنه المراد إذا لم تحصل الأوصاف التي فيه لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه . الثالث : ما نبّه عليه بعض الشيوخ أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالم ، ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك « 1 » . وقد ذكرنا طائفة من العلماء في ذلك الوقت هم من شيوخ مالك وأعلم منه « 2 » كربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن ، والذي أراده العباسيون في مطلع دولتهم أن يدلي

هامش
( 1 ) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 4 .
( 2 ) انظر الجزء الثاني من الكتاب .