تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣

إلى قرين الثعالب أو قريب من قرين الثعالب ، وكان يركب . فإذا أتى منزله مشى إلى الجمار « 1 » . ولم تتمكن سياسة البغاة من الحدّ من أثر الإمام زين العابدين أو تأثيره في النفوس ، ولم يخف وجوده في مواطن العلم ونبوغه في حلقات الفقه والحديث . فهو بما حباه اللّه وبما أورثه من وصاية وسداد لا يرقى إلى عتبة علمه أو درجة كماله أحد من أصحاب الفقه والحديث والفتوى والدين . وكان الإمام زين العابدين - وهو في دوائر التضييق التي يخلقها الحكام الأمويون - يتصدّى لدوره الإيماني ، ويدعو إلى إمامته فيقول : « فمن سلّم لنا سلم ، ومن اقتدى بنا هدي ، ومن يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا ، كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم » . ويبقى في وسط مدينة جدّه ومهبط الوحي تنوشه سهام الأمويين وتنبحه كلابهم ، فكان الإمام زين العابدين يذكر حال من مسخهم اللّه قردة من بني إسرائيل ويحكي قصتهم ، فلما بلغ آخرها قال : « إن اللّه تعالى مسخ أولئك القوم لاصطيادهم السمك ، فكيف ترى عند اللّه عز وجل يكون حال من قتل أولاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهتك حريمه ؟ إن اللّه تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فإن المعدّ لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ » . فقيل له : يا ابن رسول اللّه ، فإنّا قد سمعنا منك هذا الحديث . فقال لنا بعض النصّاب : فإن كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم عند اللّه من صيد السمك في السبت ، أفما كان اللّه غضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟ قال الإمام زين العابدين عليه السّلام : « قل لهؤلاء النصّاب : فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه ، فأهلك اللّه من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ولم يهلك إبليس ، وهو أولى بالهلاك ، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات ، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المحرمات ، أما كان ربنا عز وجل حكيما تدبيره حكمة فيمن أهلك وفيمن استبقى ؟ فكذلك هؤلاء الصائدون في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين . يفعل في الفريقين ما يعلم ، أنه أولى بالصواب والحكمة ، لا يسأل عمّا يفعل وعباده يسألون » .

هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى ج 5 ص 219 .