الإنسان العقل ، وبالعقل يكمل ، وهو دليله ومبصره ومفتاح أمره » . ويبيّن عليه السّلام أصناف طلبة العلم قائلا : « طلبة العلم على ثلاثة أصناف ، فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل . فصاحب الجهل والمراء متعرّض للمقال في أندية الرجال ، يتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل بالخشوع ، وتخلى عن الورع ، فدق اللّه من هذه خيشومه . وصاحب الاستطالة والختل ذو خب « 1 » وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه . وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن ، يعمل ويخشى ، وجلا داعيا مشفقا على شأنه ، عارفا بأهل زمانه ، مستوحشا من أوثق إخوانه » . ومما أوضحه الإمام الصادق عليه السّلام من خصائص منهجه ، هو اعتماد العقل مع وجوه ما قام به من حركة علمية واقتران صفاتها العامة به ، وقد كان لذلك أثره في تجنب المزالق التي يحدثها القياس الذي على الرأي الذي ينزع كثيرا إلى الهوى والميل . أما العقل فهو من صفات الاكتمال في شخصية المؤمن ، ومن مصادر دوام الشرائع والأحكام . وكبقية القضايا المهمة في وجود الإنسان المسلم ، يعرض الإمام الصادق منزلة العقل : فعن محمد بن سليمان عن أبيه قال : قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام : فلان من عبادته ودينه وفضله كذا وكذا ؟ قال : فقال : « كيف عقله ؟ » فقلت : لا أدري . فقال : « إن الثواب على قدر العقل . إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد اللّه عز وجل في جزيرة من جزائر البحر ، خضراء نضرة كثيرة الشجر طاهرة الماء ، وإن ملكا من الملائكة مرّ به فقال : يا رب أرني ثواب عبدك هذا . فأراه اللّه عز وجل ذلك . فاستقله الملك ، فأوحى اللّه عز وجل إليه أن أصحبه . فأتاه الملك في صورة أنسي ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا رجل عابد ، بلغنا مكانك وعبادتك بهذا المكان ، فجئت لأعبد معك . فكان معه يومه ذلك ، فلما أصبح قال له الملك : إن مكانك لنزهة . قال : ليت لربنا حمار لرعيناه في هذا الموضع ، فإن هذا الحشيش
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 280
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٨٠
هامش
( 1 ) الخب : الخداع .