وأركانا . وكان من أهم صفات منهج المدرسة وكلما يتعلق بها من وسائل مادية ومعنوية هو الاستقلال التام عن السلطة والابتعاد عن مؤثراتها . فرأسها الإمام الصادق عليه السّلام ، وموقف الحكام منه معروف ، وموقفه من ظلمهم وبطشهم من أبرز ملامح تاريخ الشيعة في تلك الفترة . أما رجال هذه المدرسة فهم أنصار أهل البيت ، ومن عرفوا بالولاء والتضحية في سبيل التشيّع ، فتعاهدهم الإمام بإعداد شامل وتوجيه مباشر ، حتى يكونوا بمستوى ما يعهد لهم من مهمات ويوكل إليهم من أعمال ، وكان نصب عينيه أن يكونوا الأسوة والقادة ، وأن يقال عنهم : « رحم اللّه جعفر بن محمد ما أحسن ما أدّب به أصحابه » .
وبمرور الأيام ، نجد أن رجال المدرسة - أو من سمّيناهم بالهيئة العلمية - يتبوؤن مواقعهم بكفاءة عالية ، وتمكن باهر . ولأن الإمام الصادق علم استعداد كل منهم ورعى مواهبهم فوجهها إلى ما يجلو فيها القدرة ويصقل الإمكانية ، ونتج من ذلك مجموعة من كبار العلماء الذين خدموا الأمة الإسلامية كمجاهدين تحت عين الإمام الصادق ، وعكفوا على حفظ تراثه الفقهي وثروته العلمية في كتب ضمّت المسائل والأحكام والتعاليم والأحاديث يفتخر بها الفكر الإسلامي ، ويعتز بها الشيعة .
ويتباهون ، لأن دقائق المسائل وغنى الأحكام ووضوح البراهين والحجج ، وبيان العلل وحكمة التشريع ؛ تجعل الفقه الجعفري وعاء العلم الإسلامي ، ومن الطبيعي جدا أن تأخذ بعض الحكومات بأحكام الفقه الجعفري لمعالجة بعض المسائل التي تتعلق بأحوال الأفراد لما فيها من رعاية لمصالح الناس ورفع الحرج عنهم ، كما فعلت الحكومة المصرية . وكم بين الناس من يلجأ إلى اعتناق المذهب الجعفري منقادا إلى روح العدل والصواب .
والقصد ، أن تعقيب الإمام الصادق على اتجاه أصحابه في المحاورة والمناظرة كان على سبيل بلوغ ما يرجوه وما يسعى إلى تحقيقه بواسطتهم من خلال تبني المنهج بطرق للحوار والاستدلال عميقة ومؤثرة . وهو من ناحية أخرى يعدّهم بوصاياه فيقول :
« لا تتكلم فيما لا يعنيك ، ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعا ، فرب متكلّم تكلّم بالحق بما يعنيه في غير موضعه فتعب . ولا تمارين سفيها ولا حليما ، فإن الحليم يغلبك والسفيه يرديك » .
ومن أقواله عليه السّلام التي توضّح منهج مدرسته وأسس حركتها العلمية : « دعامة
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 279
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٧٩