يريد بذلك أن الدنيا أظلمت عند وفاة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل كظلمتها عند موت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . وازدحم الناس على قبر أحمد يتبرّكون به ، ويقصدونه للزيارة ، وهنا تجدّدت نشاطات الدعايات المذهبية ، وطغت موجة المناقبية ، وقام القصّاصون والوعّاظ - الذين هم من قبل الدولة - بنشر خرافات لو كان أحمد حيا لخجل منها وتبرّأ من قائلها . وإليك نموذجا منها : 1 - ادّعى أحدهم أنه زار قبر أحمد ، فرأى القبر قد التصق بالأرض ، وسمع صوتا من القبر يقول : هذا من هيبة الحق ، لأنه عز وجل زارني فسألته عن سرّ زيارته إيّاي في كل عام . فقال : لأنك نصرت كلامي . . . 2 - أن من يدفن في مقبرة أحمد يكسى حلّتين من حلل الجنة ، ويوضع على قبور مجاوريه قناديل ، ومن يعذّب يرحم لأجله « 2 » وكان فيهم رجل محنث فشمله العفو « 3 » . 3 - حدّث علي بن إسماعيل السجستاني : كأن القيامة قد قامت وكان الناس يزدحمون عن قنطره ، لا يترك أحد يجوز حتى يجئ بخاتم ، ورجل ناحية يختم للناس ويعطيهم ، فسألت عنه فقالوا : هذا أحمد بن حنبل « 4 » . 4 - أن أبواب السماء تفتّح لزوّار قبر أحمد بن حنبل ، والملائكة تنزل عليهم بثياب خضر تطير بهم في الهواء . وكان قبره يقصد للزيارة من ستمائة فرسخ « 5 » ولا يتسع المجال لعرض ما ادّعي من منامات وأحلام في قبر أحمد وزيارته ، وعظيم الأثر الذي خلفته الدعاية في قلوب الناس من تعظيم قبره والتبرك به وتقبيله . وقد سأله رجل في الرؤيا : لم يقبّل قبر إلا قبرك ؟ فأجاب : هذا ليس كرامة لي ، ولكن كرامة
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 193
مساهمون: اسد حيدر
ص١٩٣
وأظلمت الدنيا لفقد محمد * وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل
هامش
( 1 ) مروج الذهب 4 / 102 و 103 .
( 2 ) تاريخ بغداد ج 1 ص 22 .
( 3 ) ابن الجوزي ، المناقب ص 463 .
( 4 ) ابن الجوزي ، المناقب ص 446 .
( 5 ) ابن الجوزي ، المناقب ص 482 .