تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠

من الزلل إلى آخر صفاته ، وإذا لم يكن الإمام كذلك - كما نعتقد - فما الفرق بينه وبين غيره ، وما هو اختصاصه في تحمل عبء تبليغ الأحكام ورعاية الأمة . وأعود فأقول إن الأسباب التي ذكرها في اعتذاره عن تأخير الكتابة عن الإمام الصادق هي أسباب واهية ، لا تصلح أن تكون في نظر الاعتبار مانعة ، ولئن كان الغلو وادعاء الألوهية وادعاء الرتبة المقاربة لرتبة النبوة مانعة ، فإن التأخير عن الكتابة في أبي حنيفة أولى لأن أخباره قد رفعته إلى أسمى درجة من الكمال ، وهي قريبة من مرتبة النبوة ، بل فوقها ، والمؤلف مع ذلك يقول : إن اتباع مذهبه غالوا في الثناء عليه حتى تجاوزوا فيه رتبة الفقيه المجتهد « 1 » . وهذه الكلمة لا تثير التشكيك ، ولا تبعث على الدهشة ، مع أنا وجدناهم يرفعون مقام أبي حنيفة إلى درجة لا يقاربها أحد ، فهو بصورة الإنسان وسيرة الملك ، كما يقول الأستاذ السيد عفيفي المحامي « 2 » . وإنه وضع ستين ألف مسألة في الإسلام ، ثمانية وثلاثين ألفا في العبادات ، والباقي في المعاملات ، ولولاها لبقي الناس في الضلالة « 3 » . وإنه سراج الأمة . ومعنى ذلك أنه دليل الهداية فاتباعه نجاة ، ومفارقته وقوع في ظلمات الضلالة ، إلى كثير من أقوال الغلو التي يقصد بها تقويم شخصيته ، وإعلاء مكانته ، وهذا كله هين بالنسبة إلى ادعاء مرتبة تعلو على مرتبة الصحابة ، بل مرتبة النبوة ، وإنه كلقمان الحكيم في عصره . كما قالوا بأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أسف أن لا يكون في أمته مثل لقمان في حكمته ، فأخبره جبرئيل إن كان في أمة داود مثل لقمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة حكما ، فنحن نجعل في أمتك نعمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة مسائل وأجوبة . . . الخ « 4 » . أي أن أبا حنيفة يصبح ملهما من اللّه في علمه ، يتكلم بما لم يتكلم به غيره ،

هامش
( 1 ) مقدمة كتاب ( أبو حنيفة ) لأبي زهرة .
( 2 ) مقدمة كتاب ( أبو حنيفة ) للسيد عفيفي .
( 3 ) مفتاح السعادة ج 1 ص 71 .
( 4 ) المناقب للمكي ج 1 ص 12 .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 90 | اسد حيدر