وهذا التعصب يجعل الدارس لحياتهم يتحمل عناء في البحث ، وجهدا في التنقيب ، لطول المسافة وبعد الهدف ، ولكن مؤلفات ( أبو زهرة ) تبدو أنها أقرب الطرق وأوصلها للغاية بالنسبة لتلك المؤلفات ، فهو يعالج كثيرا من الأمور ويوجهها حسب ما يراه ، وما يصل إليه تفكيره فيجعل من الشك يقينا ومن اليقين شكا ، مع تساهله في النقل وتسامحه عما يرد في كثير من المواضيع التي تحتاج إلى بسط وبيان . التقيت بالشيخ أبو زهرة في كتبه عن حياة أبي حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، فوجدته كاتبا غير متعصب على أحد منهم ، وهو إلى الإعجاب والتقدير لهم جميعا أقرب ، فلا يميل مع أحد ، ولا يتحامل على آخر ، فهو كاتب للجميع لا لمذهب دون آخر ، وقد أعرض عن كثير من الزوائد التي ذكرها اتباع أئمة المذاهب الذين خرجوا بها عن حدود الاتزان في الاندفاع وراء أوهام التعصب ، وخداع العاطفة ، وتضليل التعصب . والآن التقي به في كتابه عن حياة الإمام الصادق عليه السّلام وهو آخر ما كتبه في الدراسات عن الشخصيات التي عني بدراسة حياتهم ، والكتابة عنهم ، وهم : أبو حنيفة ، والشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وابن تيمية ، وابن حزم وزيد بن علي بن الحسين عليه السّلام . وكان هذا التأخير مبعث استغراب ، إذ الواجب يقضي عليه تقديم الكتابة عن الإمام الصادق قبل غيره من رؤساء المذاهب الإسلامية وغيرهم ، فهو مقدم عليهم بالرتبة الزمنية ، والرتبة العلمية ، إذ هو المعلم الأول لهم وأستاذهم ، فأبو حنيفة ومالك وغيرهم ممن أصبحوا رؤساء مدارس وأئمة حديث قد أخذوا عنه ، فليس هو دونهم بل له فضل السبق ، ولا يمكن أن يؤخر عن نقص ولا يقدم عليه غيره من فضل . كما يقول المؤلف نفسه « 1 » . فالتأخير يبعث على الاستغراب من كاتب للتشريع الإسلامي ، وتاريخ تطوره ، ونشأة مذاهبه ، لأنه كاتب للجميع ويصف نفسه بالإنصاف وعدم التحيز ، ولكنه اعتذر عن الكتابة في حياة الإمام الصادق بقلة المصادر « 2 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 82
مساهمون: اسد حيدر
ص٨٢
هامش
( 1 ) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 3 .
( 2 ) الإمام زيد ص 4 .