الأخبار :
إن أخبار الغسل لا يمكن أن يخصص بها الكتاب إذ هي أخبار آحاد ، ومنها ما لا دلالة فيه على المدعى ، كخبر عبد اللّه بن عمرو بن العاص في الصحيحين أنه قال : تخلف عنا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في سفر سافرنا معه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى ويل للأعقاب من النار . وهذا الخبر كما ترى يدل على مسح الأرجل وشهرته بين المسلمين ، ولم يصدر من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنكار عليه ، وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم ، ولا سيما في السفر ، وقد نالها في الطريق أوساخ وقذارات لا يجوز الدخول في الصلاة معها ، إذ فيهم أعراب جفاة ، لا يتنزهون عن قذارة . ويؤيد هذا ما قاله ابن رشد القرطبي بعد إيراد هذا الحديث : قال : وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح ، فهو أدل على جوازه منه في منعه ، لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم ، لا بنوع الطهارة ، بل سكت عن نوعها ، وذلك دليل على جوازه ووجوب المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة والتابعين « 1 » . ومنها ما حكاه حمران مولى عثمان بن عفان من وضوء مولاه عثمان ، وأنه غسل كل رجل ثلاثا ، ثم قال رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتوضأ مثل وضوئي . ومثله ما روي عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم ، وقد قيل له توضأ لنا وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فتوضأ ثم غسل رجليه إلى الكعبين ، كما روى ذلك مسلم في صحيحه « 2 » . والحاصل أن عمدة ما في الباب هو هذه الأخبار ، والأصل المعتمد عليه هو خبر حمران مولى عثمان بن عفان ؛ وكل ذلك لا يصلح أن يكون مقابلا لحكم الآية أو ناسخا لها . وعليه فقد صرح بالمسح جماعة من السلف كابن عباس ، وأنس بن مالك والشعبي وعكرمة وغيرهم .