فيأخذ ما هو الأصلح لغذاء العقول والنفوس ، وأقواها في بناء المجتمع على أسس تشتق من الماضي قوتها ، وتلائم الحاضر ، ولا تنافي الصالح العام « 1 » وهو كقاض يدرس البينات يستنطقها ويأخذ عنها حتى إذا انتهى إلى الحكم نطق به « 2 » إلى كثير من أقواله التي تدل بظاهرها على حرصه الشديد في إظهار الحقيقة ، ومناصرة الحق بدراسة عميقة ، وتتبع واسع ، وبذل جهد في الحصول على ما يتفق مع الحقيقة . ولقد ساءنا - كما ساء كثيرا من القراء - ما لمسناه من تساهله في النقل واعتماده على مصادر لا يليق بالباحث المنقب الاعتماد عليها ، وكان الأجدر به أن يتأمل فيما يكتب ، ويتوثق ممن ينقل عنه ، لأنه يبحث عن أمور لها أهميتها من الواقع وما يترتب عليها في بناء المجتمع بإزالة رواسب خلقتها أفكار بالية وغذتها طائفية رعناء . وعلى كل حال : فإن جوهر الخلاف بيننا وبين المؤلف في إبداء هذه الملاحظات هو ما استنكرناه من الأمور المخالفة للحقيقة والبعيدة عن الصحة لأني لمست منه الاسترسال وعدم التتبع ، في حكمه على كثير من الأمور بدون بينة ، وإعطاء النتائج بدون مقدمات ، مما أوقعه في أخطاء كثيرة ، وهو مؤاخذ على ذلك ، ولا يغفر له ولأمثاله ، ممن نأمل منهم أن ينظروا إلى الأمور بمنظار الواقع ، ويتأملوا فيما يسجلونه ، فإن الإسفاف وراء سراب الخداع والإشاعات المغرضة ، ليس من شأن العلماء الذين يعتصمون بغزارة علمهم لأنهم يحترمون الحقائق أكثر من غيرهم ، ويحاولون رفع ما يتأشب به الحق من الأباطيل . ولهذا فقد ترفعنا عن مناقشة من يدعي العلم وهو جاهل ، وينتحل الدفاع عن الإسلام ويطعنه في الصميم ، لأن هؤلاء يبذرون الشقاق ، ويوقدون نار الفتنة ، بما تقذفه أقلامهم من سموم ، ولم يتعظوا بمآسي التاريخ ، وما حل بالمسلمين من ويلات الدمار ، وعوامل الانهيار ، وما جلبه عليهم انشقاق كلمتهم من الذل والهوان . والغرض أننا نظرنا إلى الشيخ بعين الإكبار والتقدير وسايرناه في بحوثه نظرا لشهرته الواسعة وكثرة إنتاجه ، ولكنه بمزيد الأسف لم يعط الموضوع ما يستحقه من التتبع وكثرة المصادر ، بل أقول بكل صراحة إن دراسته هذه أعطتنا عنه صورة غير ما
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 174
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٤
هامش
( 1 ) نفس المصدر ص 11 .
( 2 ) نفس المصدر ص 185 .