النظر والجدل ، فكانت المجالس تعقد للمناظرة ، وتشد الرحال للمدارسة والاحتجاج ، ولا سيما في الإمامة ، لأنها الأصل الذي يصحح للخليفة - بالشكل المعهود - أن يستولي به على العباد والبلاد باسم الشريعة ، ويصحح له أن يكون ولي الأمر الذي تجب طاعته على الأمّة ، أو يمنعه عن التصرّف في مقدرات البلاد ، والقبض على رقاب العباد ، ويأبى له من أن يكون الحجة من الخالق إلى المخلوق . فالملوك من أمية وبني العباس وقفوا سدّا دون سيل الكلام في الإمامة لئلا يشيع رأي الشيعة فيها ، وألجموا الأفواه ، وحجروا العقول ، ومنعوا حرية القول ، وساروا بالناس سيرة إرهاب وتهديد . فكان هشام بن الحكم واسطة القلادة في تلك الأندية ، يساجل في كل أصل ، فإن انتهت الخصومة إلى الإمامة ، أدلى بحجته ، مصرحا إن أمن من العقاب ، وملوحا إن خاف النكال . لأن إثبات الإمامة في الأئمة الاثني عشر هدم لصروح إمامة الأوائل ، وثل لعروش الأواخر « 1 » . وكان لمجلس يحيى البرمكي الذي يعقد في بغداد للمناظرة أثر كبير في تنوير العقول ، ولا يعقد ذلك المجلس إلّا تحت إشراف هشام ورئاسته . ومن الحق أن نقول : إن هشاما كان من مفاخر الأمة الإسلامية ، فقد جنّد نفسه لخدمة الحق ، ونشر مبادئ الإسلام ، وقد تصدّى للرد على أعداء الدين ، ورفع الغشاوة من بعض العقول التي قد ركبها الشطط ، وغلبها الغرور . سأل ضرار هشام بن الحكم عن الدليل على الإمام بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال هشام : الدلالة عليه ثمان دلالات : أربع منها في نعت نسبه ، وأربع منها في نعت نفسه . أما الأربع التي في نعت نسبه : فأن يكون معروف القبيلة ، معروف الجنس ، معروف النسب ، معروف البيت . وذلك أنه إذا لم يكن معروف القبيلة معروف الجنس معروف النسب معروف البيت . جاز أن يكون من أطراف الأرض وفي كل جنس من الناس ، فلما لم يجز أن يكون الدليل إلّا في أشهر الأجناس ، ولما لم يجز أن يكون إلّا في هذا الجنس لشهرته ؛ لم يجز أن يكون إلّا هكذا ، ولم نجد جنسا في العالم أشهر من جنس
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 76
مساهمون: اسد حيدر
ص٧٦
هامش
( 1 ) عن كتاب حياة هشام لشيخنا المظفر مخطوط .