تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

ولكن يحيى بن خالد البرمكي كان يدافع عن هشام ، ويلطّف الجو ، لأنه كان مختصا به ، حتى تغيّر قلبه على هشام لأسباب هناك ، فأعرض عن دفاعه . وجرى بحث الإمامة في مجلس البرمكي والرشيد يسمع من وراء الستر ، فاشتدت المناظرة وكانت الغلبة لهشام ، فغضب الرشيد وقال : إن لسان هشام أوقع في نفوس الناس من ألف سيف . ولكن الرشيد بما عرف عنه من عداء لأهل بيت النبوة ومقاومته لآثارهم ، يرى في هشام مبتدعا . روي أن ملك الصفد كتب إلى الرشيد يسأله أن يبعث إليه من يعلّمه الدين ، فدعا يحيى بن خالد فعرض عليه الكتاب ، فقال يحيى : لا يقوم بذلك إلّا رجلان ببابك : هشام بن الحكم ، وضرار [ بن عمرو من شيوخ المعتزلة ] فقال : كلا ، إنهما مبتدعان فيلقنان القوم ما يفسدهم ويغويهم بالمسلمين ، ليس لذلك إلّا أصحاب الحديث « 1 » . وكان هشام قد احتل منزلة في حركة مدرسة الإمام الصّادق الفكرية ، وعمل بتوجيهات الإمام الصّادق إلى جانب تلامذة الإمام الآخرين ممن مهروا في الكلام واختصوا بأفانين الجدل في عصر ساد الأوساط ما يشبه الموجة التي تكاد يعتورها نفس الأفكار لولا تلقي رجال الأمة لها بالتصدي للتخفيف منها والتحكّم في شططها وانحرافها حتى تنساب برقّة وتصب في مجرى العقيدة بلا شوائب وأكدار . وقد عزم الإمام الصّادق على انتشال هشام بن الحكم من مؤثرات ذلك العصر ثم هداه اللّه إلى ما يريده من الإمام وأصبحت له مكانة في النشاط الديني والفكري واحتل منزلة خاصة في نفس الإمام الصّادق . يروي يونس بن يعقوب قال : كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال : إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة أصحابك ، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : « كلامك هذا من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو من عندك ؟ » فقال : من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعضه ومن عندي بعضه . فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : « فأنت إذن شريك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ » قال : لا . قال : « فسمعت الوحي عن اللّه ؟ » قال : لا . قال : « فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ » قال : لا . قال : فالتفت أبو عبد اللّه عليه السّلام إليّ فقال : « يا يونس بن يعقوب هذا قد خصم نفسه » قبل أن يتكلم ، ثم قال : « يا يونس ، لو كنت تحسن الكلام كلمته » قال

هامش
( 1 ) محاضرات الأصبهاني ج 1 ص 37 - 38 .