فأصبح الناس لا يرون أن ذلك يرجع إلى قواعد علمية ، أو أنها مسألة تنزيه اللّه سبحانه وتعالى ، أو مغالبة رأي برأي ، بل جعلوا ذلك محنة نزلت في الإسلام والمسلمين ، فهم يرون السجون قد ملئت برجال المحدثين ، والولاة في كل مكان يمتحنون الناس بقوة السلطان ، فالجنود يسوقون الناس بسياطهم وسيوفهم إلى مجالس الامتحان ، بل إلى محاكمات المعتزلة ، وبهذا فقد كره الناس الاعتزال لأن الحكومة احتضنته ، وأرادت فرضه بالقوة ، والعقائد لا ينشرها التعذيب والإرهاب ، وإنما ينشرها الإقناع والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . وقد وقع المعتزلة في سلوك يجافي ما ادعوه .
وبهذا استغل المشنّعون على المعتزلة الفرصة ، فأساءوا إلى سمعتهم ، وشوهوا دعوتهم ، ودخلوا على أذهان العامة من الباب التي يتفق وعقليتهم .
كما أنهم التفوا حول المعارضين لهذه الدعوة ، والثابتين في المحنة ، وكلما ازدادت المحنة ازدادت العامة إيمانا بعقيدتهم ، وتأييدا للرجال الذين لم يجيبوا إلى ما طلب منهم .
وكان امتحان أحمد بن حنبل لم يصل إلى حد السيف كغيره من العلماء الذين كانت نهايتهم القتل ، والتأبيد في السجن ، فقد نجا من ذلك وكان هو بقية الفئة التي ثبتت من المحدثين على الامتناع - بأي صورة كان - فكانت العامة تنظر إليه كبطل قارع خصمه وثبت على إيمانه .
فأصبح بعد رفع المحنة شخصية لها أثرها ، لا سيما وأن السلطة قد لحظته بالعناية أيام المتوكل ، عندما رفع المحنة ، فكان محل ثقة الجماهير ، واحترام العلماء من المحدثين ، حتى أصبح حبه علامة الإيمان ، وبغضه علامة الكفر . وأن من وثقه ابن حنبل وثق ، ومن ضعفه ضعف . وانتصرت العامة أيام المتوكل بانتصار المحدثين .
انتصار المحدثين :
انتصر المحدثون بعد أن أفل نجم المعتزلة بانحراف المتوكل عنهم ، وبذلك انفجر بركان غيظهم وظهر حقدهم الدفين ، وانطلقت حركة الانتقام جامحة ، فجاهروا بلعن المعتزلة ووصفوهم بكل قبيح ، بل تجاوزوا الحد إلى سواهم ممن لم يكونوا على رأي أصحاب ابن حنبل .