الأمويين إلى عهد هشام بن عبد الملك : أنه كان يلقن بعض المسيحيين ما يجادلون به المسلمين فيقول : ( إذا سألك العربي : ما تقول في المسيح ؟ فقل إنه كلمة اللّه ، ثم ليسأل النصراني المسلم : بم سمي المسيح في القرآن ؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم ، فإنه سيضطر إلى القول إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللّه ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه . فإذا أجاب بذلك ، فاسأله عن كلمة اللّه وروحه ، أو مخلوقة أم غير مخلوقة ؟ فإن قال مخلوقة ، فليرد عليه بأن اللّه كان ولم تكن كلمة ولا روح ، فإن قلت ذلك فسيفحم العربي ، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين ) . فالمعتزلة يرون أن من يقول إن القرآن قديم يمد النصارى بحجة يجادلون بها ، وأن من الواجب ألّا يقال ذلك ، لأنه يعطي للخصوم حجة على الإسلام ، ويفتح الثغرة لمن ينالون منه ، وليس هو الحق ، ومن قاله فقد ضاهى قول النصارى في المسيح ، وحكم بتعدد القدماء ، وجعل القرآن الذي ينطق به الناس قديما كشأن اللّه سبحانه وتعالى « 1 » . وكان المحدثون يرون ألا يخوضوا في شيء لم يخض فيه السلف ، كما أنّهم يمنعون عن الفلسفة والكلام ، لأنهم يرون أن العامة إذا تفلسفوا ألحدوا . وإذا قيل لهم إن القرآن مخلوق فذلك يساوي أنه يصح الرد عليه ، يجوز الإتيان بمثله ؛ أو أنه يؤدي إلى الاستهانة به ، إلى غير ذلك مما توحيه إليهم عواطفهم وما يرونه لازما عليهم . وهذه المسألة في الواقع مسألة علمية يجب أن تبحث وتناقش نقاشا منطقيا ، ليظهر للملإ أحقية أي الحزبين . وكذلك الخلاف في رؤية اللّه سبحانه وتعالى وصفاته ، ينبغي أن تناقش بعلمية ويترك الأمر للبراهين والحجج ليتضح الحق . وقد سلك المعتزلة في تأييد مذاهبهم طريق القوة ، واستعملوا الشدة وأخذوا الناس بالمحنة ، وجاءوا بالعلماء من أطراف البلاد ، ليحاكموهم ، ويمتحنوهم في عقائدهم ، ويتحكمون في ضمائرهم . فمالوا عن توجههم الفكري ، ووقعوا في تناقض عملي صريح .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 498
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٩٨
هامش
( 1 ) ابن حنبل لمحمّد أبو زهرة ص 64 .