بين معسكرين :
كان النزاع بين المحدّثين والمعتزلة شديدا ، وقد استطاع المعتزلة أن يتغلبوا على خصومهم ، وأصبحت أمور الدولة بأيديهم ، فمنهم الأمراء والقضاة ، وهم أهل الحل والعقد ، عندما وقع المأمون تحت سيطرتهم ، وخضع لنفوذهم ، وارتاح لأحاديثهم ، لأنه كان متعطشا إلى العلم والفلسفة وحرية العقل ، ومشغوفا بالمناقشة والجدال ، والمعتزلة في وقته هم أقطاب الأدب ، وأرباب الجدل ، وطلّاب العلم والفلسفة . قال الدميري : كان المأمون نجما لبني العباس في العلم ، والحكمة ، وقد أخذ من العلوم بقسط وافر ، وضرب فيها بسهم ، وهو الذي استخرج كتاب أقليدس ، وأمر بترجمته وتفصيله ، وعقد في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات ، وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف « 1 » . وكان لأحمد بن أبي داود أكبر الأثر في تحقيق مآرب المعتزلة وأهدافهم ، فهو قاضي الدولة ، وصاحب السلطة التشريعية ، وله عند المأمون مكانة لا يزاحمه بها غيره ، فاستطاع بلباقته وغزارة علمه ، وذلاقة لسانه ، أن يحمل المأمون على القول بخلق القرآن . وإظهار ما يذهب إليه المعتزلة من آراء . وكان المعتزلة يرون أن القول بقدم القرآن فكرة مسيحية ، دست بين الجماهير الإسلامية ، فيما كان يدس فيهم من أفكار ، وقد تلقاها الجمهور بالقبول لما فيها من تقديس للقرآن الكريم ، كما جاء في رسالة النصارى للجاحظ المعتزلي : إن الكائدين للإسلام يرتضون ويرحبون بمقالة الفقهاء والمحدثين الذين يروجونها عند العامة ، لأنهم يتخذون من الحكم بأن كل كلام اللّه قديم ، سبيلا لأن يقيموا الحجة على أن المسيح قديم ، وتكون تلك الحجة من الكتاب الكريم ، إذ فيه أن المسيح كلمة اللّه ، وكل كلام اللّه قديم ، وكلمة اللّه قديمة فالمسيح قديم . وإن الأخبار الصادقة تثبت أن النصارى الذين كانوا يعيشون بين المسلمين ، يؤلمهم أن يدخل المسيحيون في دين اللّه أفواجا ، وكانوا يثيرون أفكارا بين المسلمين ، ويتخذون من هذه الأفكار حججا لهم يجادلون بها عن دينهم . وقد جاء في كتاب تراث الإسلام عن يوحنا الدمشقي الذي كان في خدمة