فقال له بعض جلسائه : ومن يزيد بن هارون حتى يتقيه أمير المؤمنين ؟
فقال المأمون : إني أخاف إن أظهرته يردّ عليّ ، فيختلف الناس ، فتكون فتنة ، وأنا أكره الفتنة .
وبهذا يظهر أن الفكرة أخذت من المأمون مكانها من قديم ، ولكنه كان يمانع من قبل خواصه ، وهو يحذر الفرقة ويخشى الفتنة ، وبعد أن وجد الطريق قد مهد لذلك أعلن رأيه ، وحمل الناس بالقوة إلى تأييده واتباع رأيه ، وبدأ بذلك في سنة 218 ه .
وعلى أي حال : فإن المأمون قد اشتد في امتحان الناس ، ولزوم إقرار الفقهاء بما يراه ، فجعل يرسل لعامله الكتب ، وكانت تزداد شدة وعنفا وتهديدا وتوعيدا ، وكان من نتائج هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء لذلك ، ولم يمتنع منهم إلّا نفر قليل ، منهم : أحمد بن حنبل ، ومحمّد بن نوح ، وأحمد بن نصر الخزاعي ، وأبو يعقوب البويطي ، ونعيم بن حماد . وهؤلاء قد ذاقوا حتفهم لامتناعهم عن الإجابة ، وبقي أحمد ولم يكن حظه كحظهم من السجن والقتل ، فتركزت شخصية أحمد ، فكانت أنظار المحدثين تتجه إليه ، بعد أن غلبوا على أمرهم ، وأصبحوا مضطهدين أمام ذلك التيار الذي يحاول القضاء على الجمود الفكري ، وإعطاء العقل حرية التصرّف في نصوص الشريعة ، إن لم تكن مؤيدة بالكتاب أو صحيحة السند من السنّة .
أدوار المحنة :
كانت الخطوة الأولى التي خطاها المأمون ليضمن انصياع رعيته بالنحلة التي انتحلها ، والرأي الذي ارتآه ، أن دعى الفقهاء والمحدثين إلى أن يقولوا بمقالته في خلق القرآن ، فيقولون إن القرآن محدث ، كما يقول المعتزلة الذين اختار منهم وزراءه وصفوته ، وجعلهم بمنزلة نفسه ، فأرسل كتابا إلى عامله على بغداد : إسحاق بن إبراهيم ، وهو ابن عم طاهر بن الحسين ، وقد أمره فيه أن يشخص لديه القضاة والمحدثين ، وأن يمتحنهم في موضوع خلق القرآن . كما أرسل كتبه إلى الأقطار لحمل الناس على ذلك ، وإرغامهم على الأخذ بهذه الآراء ، واتباع الأمر الذي يدعو فيه إلى التفكير الحر ، واستخدام العقل في فهم العقائد الدينية ، كما تشير لذلك كتبه ، وخاصة كتابه الأول الذي أطال فيه بذكر السبب الذي ألجأه إلى حمل الناس على القول بخلق القرآن ، حيث قال فيه :