المسلمين ، وخالف الآثار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية « 1 » . فأقوال أحمد ناطقة نطقا صريحا بأنه يرى لزوم الطاعة لمن يتولى الأمر ، لا فرق بين البر والفاجر ، فطاعة الكل لازمة حتى في أمر محض للمعصية ، ولكن يؤخذ من أفعاله الخاصة كما أسندوا إليه ذلك ، أنه لا يرى الطاعة في المعصية ، أما أقواله فهي عامة لا تخصيص فيها ، ولم يكن له موقف معارضة أو دعوة إلى مخالفة . ويقول محمّد أبو زهرة : لم يؤثر عنه أنه عمد إلى دعوة الأمراء والحكام إلى الامتناع عن الظلم وإلى توجيههم إلى إقامة السنة ، بل كان موقفه سلبيا ، لا يسايرهم فيما هم فيه ، ولا يدعوهم بالقول إلى غيره ، فهل كان ناشئا من أنه كان يمتنع عن الخوض في السياسة ، ومعالجة شؤونها ، وترك الأمر والدعوة إلى السياسة الصالحة للصالحين من أهل الخبرة فيها « 2 » . وقد عرض القضاء على أحمد بن حنبل ، فرفض قبوله ، وذلك أن الشافعي رشحه للقضاء في اليمن عندما سافر أحمد إليها ، للاستماع من عبد الرزّاق بن همام ، وكان الشافعي هناك يتولى بعض وظائف الدولة ، فامتنع أحمد عن القبول ، ولم يكن امتناعه لعدم شرعية الدولة ، فهو يرى أن الخلافة في ذلك الوقت صحيحة ، ويجب الطاعة لمن يتولى الأمر برا كان أم فاجرا ، وذلك بخلاف امتناع الإمام أبي حنيفة عن تولي القضاء في عهد الدولة الأموية ، وقد ضربه ابن هبيرة ليرضخه على قبول هذه الوظيفة فامتنع ؛ وفي أيام المنصور عرض عليه القضاء فرفضه حتى سجنه المنصور وضربه بالسياط ، وكان ذلك سبب موته كما يقال لأن أبا حنيفة لا يرى صحة خلافة العباسيين والأمويين ، وكان رأيه عدم المعاونة معهم . ولكن الإمام أحمد يرى لزوم المعاونة ووجوب الطاعة ، فامتناعه عن قبول القضاء يبعث على التساؤل ، ولعل هذه القضية لا أصل لها .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 432
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٣٢
هامش
( 1 ) مناقب أحمد لابن الجوزي ص 75 - 76 . وانظر رسالة أخرى برواية الأصطخري . طبقات الحنابلة ج 1 ص 26 و 27 .
( 2 ) مالك ص 152 .