وكان للإمام الصّادق عليه السّلام تراث فكري وثروة كبيرة من الحكم الأخلاقية تعد في الواقع أعظم أثر من آثار دعاة الإصلاح ، وقادة الخير والرشاد فهو عليه السّلام لا يهدأ لحظة عن الإرشاد إلى طاعة اللّه ، ولا تفوته فرصة يرجو فيها تنظيم العلاقات الاجتماعية وتهذيب النفوس من كل ما يؤدي إلى قطع تلك الروابط بين أفراد المجتمع ، فكانت أقواله عليه السّلام في كل مناسبة توجيها ، ووصاياه في كل حين إرشادا . أما إذا استخلص التعاليم واستصفى النظرات فإنه عليه السّلام يأتي بموجز من البيان وينطق بعبارات يسيرة ترقى إلى أعلى مراتب الحكمة ، وتسمو إلى أرفع منازل الإيمان ، ويتخلل منهجه عليه السّلام في الدعوة والإرشاد بيان مشرق ويضمه سياق محكم .
ولقد قدّمنا في أبحاثنا السابقة من هذا الكتاب بعض تلك الحكم ، ونجد لزاما علينا أن نزين هذا الجزء ببعض جواهر حكمه التي تضمنت أهم النقاط الاجتماعية والخلقية ، وكل ما يتعلق بأمور الفرد والمجتمع ، فهو عليه السّلام يعالج الأمور بأسلوب يعجز القلم عن وصفه ، وحكمة يتلعثم اللسان عن بيانها .
لقد عرف عليه السّلام بين الناس بكرم الأخلاق وصدق الحديث ، وحسن المجالسة . وقد منحه اللّه سلامة الفطرة ، وصفاء الحس ، ونفاذ البصيرة وحسن البيان ، فكان خير داعية للخير ، ومرشد للهدى ، يزدحم مجلسه بمختلف الطبقات والطوائف وينتهلون من تعاليمه ، ويتزوّدون من حكمه وأخلاقه ، وقد وجدوا فيه المصلح الاجتماعي العظيم ، والمرشد الديني الكبير .
إنهم وجدوا فيه عالما وإنسانا كاملا ، يهدي إلى الرشاد ، ويدعو إلى سواء السبيل ، وقد خرّجت مدرسته علماء أعلاما ورجال إصلاح خدموا الإنسانية جمعاء خدمة لا تنكر .
إنه عليه السّلام لم يدخر نصحا عن أحد ، ولم يأل جهدا في توجيه النصح لكل أحد ، فتجد له في كل مناسبة قولا ، وفي كل مجال حكمة ، ولكل مشكلة حلا ، وإن منهجه القويم وطابعه الأخلاقي ليظهران على كل كلمة نقلت عنه ، وعلى كل أثر نسب إليه .
إن تلك الفكر الخوالد تتصف بصفة الشمول لجميع نواحي الحياة الإنسانية وتوضح للمسلم تعاليم دينه الصحيح ، وهي تمت إلى واقع المسلمين في كل عصر ، وهي الدواء لأمراض المجتمع ، والحل الصحيح لمشكلاته .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 328
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٢٨