فلقد كان عليه السّلام قويا في دينه لا يهن لشدة ، ولا يضعف عند النكبة ، بل يتلقى كل ذلك بقلب لا يتسرّب إليه الضعف ، وفؤاد لا يتزلزل عند النوازل ، وهو قوي الثقة بربّه وخالقه ، كثير الرجوع إليه في حاجاته ومهماته ، يلجأ إليه في كل شدة ، وينتصر به على أعدائه ، ويرد بالالتجاء إليه كيدهم ، وما يريدونه به من سوء وما يدبّرون له من مكائد .
ولقد مرّت عليه أيام مختلفة تبدلت فيها سياسات ، وتقلّبت فيها أمور ، وشاهد أنواعا من الحكم ، وكانت الأيام تبسم له مرة وتعبس أخرى ، ويقسو عليه الحكم تارة ، ويلين تارة أخرى ، وهو يتحمّل الأذى ويصبر على المحن ، وكيف لا يكون كذلك وهو يحمل رسالة الإصلاح وأعظم مصلح عرفه التأريخ في عصره وبعد عصره . كان هدفه تقويم المعوج وإرشاد الضال وتوجيه الشاذ ، ليسير بالقافلة في طريق الخير مرحلة إثر مرحلة ، ولا تحول دونه ودون عزيمته المخاطر والأهوال ، ولا يخشى انفجار مشاعر أعدائه المكبوتة . وغيظهم المتوقد ، وقد مرّ غير مرة محاولة أعدائه للفتك به ، والقضاء عليه ، وترويج التهم حوله ، ولكن اللّه عصمه ورد كيدهم عنه ، ولما حل قضاءه ولا راد لقضائه نفذ ما أرادوه ، وتم ما حاولوه من المكيدة .
فمضى بعد أن ترك للأجيال دروسا وعبرا لم تكن مقصورة على أتباعه فحسب ، بل كانت عامة لجميع الأمة .
ملاحظات حول دعوته الإصلاحية :
1 - إن قوله عليه السّلام : « كونوا دعاة صامتين » . لم يكن المقصود منه كون الداعي للعمل الصالح صامتا مطلقا ، لأن ذلك ينافي قوله عليه السّلام : « تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر » . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكونان مع الصمت ، ولكن المقصود بأن يكون القول مقرونا بالعمل ، إذ هو بدونه لغو كما تقدم بيانه ، فجعل عليه السّلام الدعوة بالعمل الصالح قبل الدعوة بالقول .
2 - إنه كان يأمر بالإقدام على النصح ، وأن لا يحول بين الداعي وبين نشر دعوته خوف ظالم ؛ لأن الأمر بالمعروف من أهم فروض الإسلام وأكبر واجباته ، إذ هو أساس نشر الحق ، وإعلان المبادئ السامية . فيقول في الحث عليه : « اؤمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقربا أجلا ولم يبعدا رزقا » .
ويقول : « ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » .