الذي كان يستمد تعاليمه من السماء ، وأنّه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلّا وحي يوحى . على أن الشّافعي قد أراحهم من هذا التكلف ، فإنه لم يدّع العصمة والكمال ، وقد دلّت أقواله على خلاف ما يدعونه له ، من صفة الإنسان الكامل الذي لا يعتريه الخطأ والنسيان ، كما تقدم بيانه .
وحدث البويطي عن الشّافعي أنّه قال : صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب ، فلا بد وأن يوجد فيها ما يخالف كتاب اللّه وسنّة رسوله ، فما وجدتم فيه ما يخالف كتاب اللّه وسنّة رسوله فإني راجع عنه إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله .
وقال المزني : قرأت كتاب « الرسالة » على الشّافعي ثمان مرات ، فما من مرة إلّا وقد كان يقف على خطأ ، فقال لي الشّافعي : أبي اللّه أن يكون كتابا صحيحا غير كتابه تعالى . فقول أبي منصور في نصرة الشّافعي خطأ محض وجرأة على مقام الرسالة ، وليس بغريب على من انغمس في بحر التعصب للمذهب بأن تصدر منه أمثال هذه المخالفات ، فقد ترك قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقول صاحب المذهب ، وقد مرّ أن بعضهم يسأل عن مذهب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هل كان حنفيا أم شافعيا .
ولسنا الآن بصدد البحث عن هذا ، ولكن الغرض أن أقوال الشّافعي قد اختلفت في كثير من المسائل ، فهو قد أفتى في بغداد بمسائل ، ثم أعرض عنها في مصر ، فسميت تلك الأقوال بالمذهب القديم .
وإن أقواله القديمة منشورة في أبواب الفقه المختلفة ، وأخذ العلماء يوازنون بينها ، واختلفت ترجيحاتهم وتصحيحاتهم فيها ، بل تناولوا ما رجحه الشافعي نفسه بالدراسة والفحص ، فكانوا يرجحون القول الآخر إذا وجدوا حديثا صحيحا - سيرا على قاعدة الشّافعي التي سنّها لنفسه - إذا صح الحديث فهو مذهبي .
قال البجرمي : الفتوى على ما في الجديد دون القديم ، وقد رجع الشّافعي عنه ، وهذا كله قديم لم يعضده حديث ، فإن اعتضد بحديث فهو مذهب الشّافعي ، فقد صح عنه أنّه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، واضربوا بقولي عرض الحائط .
ولكن بعض الشّافعية تردد في الأخذ بالحديث إن عارض قول الشّافعي ، لأنه عساه يكون منسوخا في نظره أو مؤوّلا ، أو صح عند غيره بطريق أقوى من طريقه ، وبعضهم إذا وجد حديثا يخالف رأيا مأثورا عن الشّافعي يأخذ بالحديث الصحيح ، ويترك رأي الشافعي .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 200
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٠٠