يكتب إلى عامله بمكة أن يبعث إليه ثلاثمائة رجل كلهم من قريش ، مغلولة أيديهم إلى أعناقهم . قال الشّافعي : فأشخصت فيمن أشخص مغلولا ، فلما وردنا العراق أتي بنا إلى دار يحيى بن خالد وقال لنا : يا معشر قريش قد رفع عليكم أمر كبير وعسى اللّه أن ينجيكم من البلاء إن كنتم قد بغي عليكم ، والذي أراه أن تقدموا من أنفسكم رجلا يخاطب الرشيد عنكم وعن نفسه ، فقالوا كلهم : هذا الشّافعي يخاطبه . ثم حكى عن نفسه دفاعه عنها وعنهم ، فكانت النتيجة أن عفى الرشيد عن الجميع وأمر لهم بجائزة « 1 » . وبصورة أخرى : أنه حمل من الحجاز مع تسعة من العلويين فضربت أعناقهم ، ونجا الشّافعي وأكرمه الرشيد . ورواية الفخر الرازي التي يفترض أن تكون دقيقة في التاريخ التي نضمها ففيها مشاورة الرشيد لأبي يوسف في أمر الشّافعي بشأن هذه الحادثة التي يثبتها الرازي بأنّها وقعت في سنة 184 ه . ومعلوم أن وفاة أبي يوسف كانت قبل سنة أو سنتين من هذا التاريخ على اختلاف في الروايات كما مرّ . وفي الحلية : إن السبب في حمله من اليمن : أن خارجيا خرج على هارون الرشيد ، فأرسل الرشيد إليه جيشا فقبض عليه وحمل إلى العراق ومعه الشّافعي ، وأحضروا جميعا وأمر بقتلهم ، فعرض الشّافعي عليه قصته مع الخارجي وبيّن له نسبه ، وذكر كلاما استحسنه الرشيد وطلب إعادته ، وقال له : كثّر اللّه في أهل بيتي مثلك « 2 » . وعفى عنه ، إلى آخر الاختلاف في الصّور ، والزمان ، والأسباب . ومهما يكن من أمر فإن الغرض من اتساع هذا الحادث ، وإيراده بصور مختلفة هو التعصب للشافعي ، ووصفه بعلو المنزلة واتساع العلم وقوة الحجة ، ونبوغه على القرشيين ، كما رأيت في الصورة المتقدمة ، بأن أولئك القرشيين الذين حملوا معه وكانوا ثلاثمائة رجل كأن اللّه سلب منهم كل موهبة الدفاع عن النفس ، وقوة الحجّة ، وطلاقة اللسان ، وبلاغة البيان وهم أهله ، فليس لهم قابلية على الدفاع ، ولم يملكوا من الشجاعة والجرأة قليلا أو كثيرا فيها ، وانفرد الشافعي بالجرأة وقوة البيان وثبات القلب ، وهو شاب قد تجاوز الثلاثين من عمره ، وحاشا قريشا أن يمثلوا موقفا كهذا الموقف ، ولكن دائرة الاختراع واسعة ، والتقولات لا حد لها . وقد اعترف الشّافعي
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 178
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٨
هامش
( 1 ) الانتقاء ص 96 .
( 2 ) الحلية ج 9 ص 81 .