النمل وهم لا يشعرون ، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم ) « 1 » . وبلغ الأمر بهم في صوغ عبارات المدح والثناء إلى ما يقف العقل أمامه موقف الرد والإنكار ، كما ذهبوا إلى أعلمية هؤلاء الأئمة على جميع المسلمين ، وأنهم بلغوا درجة العصمة عن الخطأ ؛ وأن اللّه لا يقبل عمل عامل إلّا من طريقهم وكل يعتقد أفضلية إمامه على بقية الأئمة ، وأن مذهبه هو الصواب . إلى غير ذلك من التفريط والغلو ، مما لم يعرفه معاصرو أولئك ، ولم يجدوه هم في أنفسهم .
الالتزام بالمذاهب الأربعة :
تطورت الدعوة إلى المذاهب الأربعة ، وتكثرت العوامل لاتباعهم بصورة خاصة ، وقد ذكرنا في الجزء الأول أسباب نشأتها وعوامل انتشارها بما لا حاجة إلى إعادته .
والغرض : إن الالتزام بهذه المذاهب الأربعة كان بصورة تدريجية ، حتى أدّى ذلك على مرور الزمن ، إلى أن ينحصر أخذ الأحكام عنها دون غيرها من المذاهب الإسلامية على كثرتها وانتشارها .
والشيء المحصل من جميع الأقوال أن الأخذ بها ولزوم التقليد كان في القرن الرابع ، أما الالتزام بها دون غيرها ووجوب أخذ أقوالهم وترك أقوال الآخرين وعدم السماح بالاجتهاد والاستنباط يرجع تاريخه إلى سنة 645 ه وذلك عندما رأت السلطة أن تحصر الأخذ عن المشايخ الأربعة : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد .
فأحضر مدرسو المدرسة المستنصرية إلى دار الوزير ، وتقدم إليهم أن لا يذكروا شيئا من تصانيفهم ، ولا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها ، بل يذكرون كلام المشايخ تأدّبا معهم وتبرّكا بهم ، وأجاب جمال الدين عبد الرّحمن بن الجوزي - مدرّس الحنابلة - بالسمع والطاعة ، ثم مدرس المالكية سراج الدين عبد اللّه الشرمساحي ، وقال : ليس لأصحابنا تعليقة ، فأمّا النقط من مسائل الخلاف فما أرتبه .
وأما شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية ، وأقضى القضاة عبد الرّحمن بن اللمغاني مدرّس الحنفية فإنهما قالا ما معناه : ( إن المشايخ كانوا رجالا ونحن رجال ) .
هامش
( 1 ) حجة اللّه البالغة ج 1 ص 153 .