تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ويقول في تصوير النعيم في السياق نفسه مباشرة :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً . . .
الغاشية : 8 - 11 الآيات . فالصورتان متقابلتان ، متجاورتان في السياق ، وهما صورتان حاضرتان للنعيم والعذاب يوم القيامة . وقد يعرض التقابل بين الصورتين سريعا خاطفا كقوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
الشورى : 29 . فصورة البث والانتشار تقابلها صورة الجمع ، تعرضان في سرعة خاطفة ، على طريقة القرآن الكريم في الإثارة التخيلية ، والتأثير الشعوري ، حتى يستحضر الذهن هاتين الصورتين الكبيرتين في سياق واحد ، وآية واحدة . فيظل الحشر والجمع ملازما لصورة بثّ الخلق وانتشارهم . وقد يكون التقابل في الصورتين مركبا من حالتين في كل صورة منهما كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ، أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
السجدة : 26 - 27 . فالتقابل هنا بين المساكن الداثرة بعد الحياة والعمران ، والأرض العامرة المنتجة بعد الموت والجدب . فصورة المساكن الداثرة ، تستدعي استحضارها في حالة الحياة والعمران ، ثم ما حلّ بها من دمار ثم صورة الأرض العامرة بالحياة ، تستدعي استحضار حالتها أيام القحط والجدب ، ثم توضع الصورة الأولى بحالتيها في مقابل الصورة الأخرى بحالتيها ، لتحقيق الغرض الديني من هذا التقابل . وقد يكون التقابل بين صورة حاضرة ، وأخرى ماضية كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
يس : 77 ، فالنطفة صورة ماضية ، تقابلها صورة حاضرة للإنسان المخاصم فالتقابل بين الصورتين ، يحرّك الخيال لاستحضار صورة ماضي الإنسان في خلقه وتكوينه ، ليضع صورته الماضية ، مجاورة لصورته الحاضرة ، وهو يخاصم ويعاند ولا يؤمن . وقد يكون التقابل بين صورة حاضرة في اليوم الآخر ، وصورة ماضية في الدنيا ، كأصحاب الشمال مثلا في قول الله سبحانه وتعالى :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ، فِي