تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الذي أوجده لحكمة يعلمها . فيشعر بالهيبة تحيط به وهو يقرأ القرآن الكريم ، والخوف من الله سبحانه ، والإقبال عليه . وقد يختلف حضور هذه الصورة من قارئ إلى قارئ آخر ، حسب استجابته لهذا الخطاب القرآني وتفاعله معه . إنّ هذا القرآن الكريم معجز في تعبيره وتصويره . ومعجز في نظام العلاقات والروابط الذي يجمع التعبير والتصوير في سياق متفاعل متحرك ، متناسق ، ولا يمكن إدراك هذا الإعجاز إلا بنظرة شمولية كلية ، تنظر إلى النص القرآني ، على أنه وحدة منسجمة متناسقة ، وتنظر إلى الصورة الفنية فيه ضمن إطار هذه النظرة الكلية الشاملة ، حتى تتسع هذه الصورة لمعانيه الدينية أو الفكر الإسلامي الذي تحمله ، ولا يكون ذلك باقتصار الصورة على مفهومها الجزئي ووظيفتها المحدودة المترتبة عليها ، وإنما بتوسيع مفهوم الصورة ، لتحمل هذا الفكر الناصع الذي يميّز الصورة القرآنية عن غيرها ، ومن هنا كانت وظائف الصورة أيضا تقوم على نظام العلاقات ، فهناك الوظائف القريبة ، والوظائف البعيدة ، وكلها تدور حول محور الوظيفة الدينية كما سأبيّن في الفصول القادمة .

ج - الصور المتقابلة :

وهي من الصور السياقية ، وقد أفردتها هنا بالحديث ، لأنها تشكّل ظاهرة فنية في السياق القرآني . هذا اللون من الصور كثير في القرآن الكريم ، يهدف إلى تحريك الذهن ، وتنشيط الخيال ، من خلال هذه الصور المتقابلة والمتجاوزة في السياق . والتقابل بين الصور متنوّع ، فقد تكون الصورتان حاضرتين ، وقد تكون الصورة ماضية ، تقابلها صورة حاضرة . أو العكس . وتكثر الصور المتقابلة في تصوير النعيم والعذاب يوم القيامة ، كما سأبيّن ذلك في تصوير مشاهد القيامة ولكني هنا أكتفي بعرض نماذج لها . يقول الله تعالى في تصوير العذاب :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ، تَصْلى ناراً حامِيَةً ، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ . . .
الغاشية : 1 - 7 .