تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ويلاحظ أن إطار الصورة يعتمد على الإثارة والغموض منذ اللحظة الأولى للتصوير ، ليتناسب مع الصورة الكلية في خفائها ، وإثارتها ، ثم تجيء قصة موسى ، لتوضح عاقبة المكذبين بها ، ثم تجيء الصور الكونية لتوحي بالقوة والقدرة على بعث الأحياء بعد الإماتة ، ثم تجيء صور الآخرة . معتمدة على ألفاظ ذات جرس قوي شديد للإيحاء بشدة أهوال القيامة مثل « الطامّة » وتختم السورة بتصوير تفاهة الدنيا إذا قورنت بالآخرة ،
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
النازعات : 46 . وسورة « الحاقة » تدور صورتها الكلية حول القيامة أيضا ، فتبدأ بصفة من صفاتها المؤكدة على ثبوتها ووقوعها ، فهي متحققة الوقوع ، وجرس « الحاقة » بوقعه الشديد يوحي بثبوتها وأحقيتها . ثم بعد هذا الإيحاء بالثبوت والوقوع . تبدأ بصور المكذبين بها ، ثم مشاهد القيامة وصورها ، منذ النفخة بالصور ، ثم مشهد الناجي ، ومشهد الهالك ، في ذلك اليوم المخيف . . . وهكذا تتلاحم الصور الجزئية في داخل السياق ، وتتفاعل ضمن شبكة من العلاقات للإيحاء بالصورة الكلية أو بمعنى آخر ، إن قمة البناء التصويري في السورة الواحدة يتجلى في الصورة الكلية التي هي بدورها مرتبطة بصورة أكبر وهي الصورة المركزية كما سأوضح بعد قليل . وقد لا يوحي اسم السورة ، بصورتها الكلية . مثل سورة « العنكبوت » التي تدور صورتها الكلية حول « الإيمان والفتنة » وتعتمد السورة في بناء صورتها الكلية على مجموعة من الصور مثل تصوير قصص الأنبياء والتركيز فيها على تصوير ألوان الفتن والعقبات في طريق الإيمان ، ثم تصوير القوى الكافرة المترصّدة لأهل الإيمان بصورة العنكبوت في ضعفه وهزاله على الرغم من خيوطه الممتدة والمتشابكة ولكنها ضعيفة واهنة ، لا تصمد أمام المواجهة ، ثم تصوير الحق القائم في صور كونية محسوسة في السماء والأرض ، وربط الحقّ الذي جاءت به دعوة الرسل ، للتأكيد على وحدة المصدر وهو الله في الكون والحياة والرسالات . . . فالحق في الكون المنظور ، هو الحق الذي جاء به الأنبياء أيضا . ثم يصوّر تناقض المشركين ، فهم يعترفون بالله خالقا ، ولكنهم يتخذون معه آلهة أخرى . . . وهكذا يمكن أن ندرس الصورة الكلية في كل سورة قرآنية ، للتأكيد على أن الصورة
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 85 | عبد السلام احمد الراغب