تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
صورة إنسانية أيضا خاضعة مستسلمة لله ، في حياتها وموتها ، وكدّها وكدحها ، فالخضوع لله سبحانه ، يتمثل في الخلق والتكوين ، كما يتمثل أيضا في النهاية والمصير . وبذلك يتم رسم الصورة الكلية من هذه الصور الجزئية المكوّنة لها عبر تفاعل الصور في السياق القرآني المعجز ، لإبراز هذه الصورة الكلية ، المرتبطة أيضا بالصورة المركزية . وفي سورة « الحجر » نلاحظ أن الصورة الكلية فيها هي إبراز طبيعة المكذبين ، ودوافع تكذيبهم ، وبيان مصيرهم . وكل الصور الواردة في هذه السورة ، ترتبط بهذه الصورة الكلية وتتفاعل معها في داخل السياق التعبيري ، لإبرازها ، ورسم معالمها ، وعلى الرغم من تنوّع الصور في السياق ، فإنها ترجع في النهاية إلى الصورة الكلية ، لتصبّ فيها إيحاءاتها ، وهذا ما نراه في المشاهد القصصية ، والمشاهد الكونية ، ومشاهد القيامة ، وفي التوجيهات التي تسبق وتعقب التعبير التصويري . ومطلع السورة يبدأ بالإنذار المخيف للمكذبين
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
ليزيد الجوّ رهبة وتهويلا ، ثم يبدأ بعرض مشاهد الكون في السماء وما فيها من بروج ، والأرض الممدودة والجبال الراسية ، والنبات الموزون ، والرياح اللواقح ، والماء والحياة والموت ، والحشر للجميع . وكأنّ هذه المشاهد الكونية المصورة بمنزلة أدلة وبراهين ، تنقض مزاعم المكذبين ، وتردّ عليهم من خلال هذه الصور الحسية التي يرونها ، ويتأثرون بها ، ويبنون حياتهم عليها . ثم يلي ذلك قصة آدم وإبليس لإبراز عدو الإنسان الأول الذي يقف من وراء تكذيب المكذبين ، فهم أتباعه وجنوده . ثم يعرض القرآن لمحات سريعة لقصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح ، ويركّز التعبير على مصير المكذبين في تلك القصص الماضية ، وفي هذه القصص المعروضة ، إيحاء بمصير المشركين العرب كمصير أولئك الأقوام المكذبين في التاريخ ، والذين كان العرب يعرفون أخبارهم ، ويمرون بديارهم المدمّرة . وتدور الصورة الكلية في سورة « القصص » حول قوة الله وحمايته للمؤمنين ، وإهلاكه الكافرين . وتبرز الصورة الكلية بكل ملامحها حية شاخصة ، من خلال تصوير الأحداث والأشخاص .