تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
ويتسع إطارها للتعبير عن هذا الفكر ، وصورة المشهد الكامل قد تمتد إلى أكثر من آية ، لتشمل آيات عدة ، في أداء المعنى الديني . فنلاحظ في المشهد عدة علاقات ، وعدة صور جزئية متناسقة في المشهد ، ومتعاونة لأداء المعنى الديني المطلوب . وهذا ما نراه في تصوير الطبيعة ، ضمن مشاهد حية شاخصة ، وتصوير يوم القيامة أيضا في مشاهد حية . وسوف أتوقف عند ذلك بالتفصيل في حديثي عن وظائف الصورة وأكتفي هنا بمثال واحد على الصورة في المشهد ، يقول الله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الأعراف : 57 . فالمشهد المصور هنا لا يمكن الحكم عليه من خلال الدراسات البلاغية القديمة التي اهتمت بالصورة البلاغية بأنواعها المعروفة ، وإنما لا بد من نظرة شاملة ، لهذا السياق الذي يرسم مشهدا واضح المعالم ، والعلاقات ، ففي المشهد نرى إرسال الرياح ، والسحاب المتحرّك ، والمطر الهاطل ، والنبات الطالع ، والبلد الميت . وهذه الأطراف أو الأجزاء متفاعلة في داخل السياق لتكوين مشهد منظور ، يؤدي وظيفة فنية ودينية معا . ونظام العلاقات بين عناصر المشهد المنظور واضحة في السياق ، فالرياح تسوق السحاب الثقال ، لتهطل الأمطار فوق الأرض المجدبة ، فتنبت الزروع ، وتخرج الثمار منها فالعلاقة بين عناصر المشهد قوية ، إنها علاقة السبب بالمسبب ، والمقدمة بالنتيجة ، لإثبات معجزة الحياة بعد الموت ، من خلال عرض المشهد الذي يضم صور الحياة في الكون المنظور . وصورة « اللوحة » تتألف من عدة مشاهد مختلفة ، تؤدي ، معنى مشتركا ، وأثرا نفسيا واحدا . كقوله تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
القمر : 6 - 8 . هنا نلاحظ عدة مشاهد مختلفة ولكنها مترابطة في السياق ، مثل مشهد الجموع الخارجة من القبور ، ثم مشهد الجراد المنتشر ، والأبصار الخاشعة ، والجري نحو الداعي للحشر . ومشهدهم الأخير الذي فيه كرب شديد ملحوظ في قولهم « هذا شيء عسر » وتنكيس رؤوسهم وكأن هذه المشاهد ترسم لوحة متكاملة لحالهم يوم القيامة ، ابتداء من خروجهم من القبور ، وانتهاء بأثر اليوم الآخر في نفوسهم ، وما فيه من كرب وشدة تجلّى في