عليه » « 35 » .
وقد كثرت هذه الصورة البلاغية في القرآن الكريم في التعبير عن الندم ، والحسرة ، والكرب ، والأهوال ، والإعراض ، والعطاء ، والشح ، والإمساك ، والجماع ، والعفة ، والطهر ، وغير ذلك من المعاني المذكورة في القرآن الكريم .
ومن ذلك قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
الحج : 1 - 2 .
فالصورة الكنائية هنا تعبر عن ذهول الناس ، وفزعهم من مشهد زلزال الساعة بحيث يبلغ الذهول مداه في فقد السيطرة على النفس والإدراك من هول المشهد وعنف الزلزلة ، والتعبير بالمرضع والحامل ، يمثل منتهى الذهول ، وفقد السيطرة على الأعصاب .
وقريب من هذا قوله تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
عبس : 34 - 37 . ففي هذه الصورة نلاحظ فرار الانسان من أقرب الناس إليه ، وانشغاله بنفسه عمّن سواه بخلاف الصورة الأولى ، حيث رأينا الذهول من زلزلة الساعة أفقدهم الوعي والإدراك ، من شدة المفاجأة . والصورتان تعبّران عن الهول والكرب ، ولكنّ صورة الفرار تعقب الصورة الأولى المجسّدة للذهول وقت مفاجأة الساعة لهم . فالذهول أفقدهم الوعي . فتسمّروا واقفين جامدين ، ثم انطلقوا هاربين كلّ يفكّر بنفسه . . . وهكذا نلاحظ العلاقة بين الصور القرآنية لتأدية المعاني أو الحالات النفسية ، ضمن نظام العلاقات السياقية الملحوظة في التعبير والتصوير على حدّ سواء .
ونظام العلاقات المترابطة ملحوظ في بناء الكون والإنسان والحياة لتكوين الوحدة المنسجمة من هذه الأجزاء في النهاية ، كذلك ملحوظ ، في الصورة القرآنية القائمة على نظام العلاقات المترابطة بين الجوانب التعبيرية والتصويرية والفكرية ، أو بين الصورة في بنائها ، والصورة في وظيفتها .
ويرجع الإعجاز الإلهي أيضا إلى نظام العلاقات المتناسقة في الخلق والتكوين ، ونظام العلاقات المتناسقة في القول والتصوير في القرآن الكريم ، لأن المصدر واحد وهو الله
هامش
( 35 ) دلائل الإعجاز : ص 66 .