وقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها . . .
يوسف ، 82 ، فالدال هنا القرية ، والمدلول أهلها ، وبين الدال والمدلول علاقة ارتباط وتفاعل ، لأن ذكر القرية يذكّر مباشرة بالمدلول أهلها . وكذلك العير وأصحابها ، ولكن الدلالة المجازية هنا لها قيمتها الفنية والفكرية ، في إثبات أن السرقة عمّت وانتشرت حتى شملت القرية كلّها ، لذلك عبّر ب « القرية » و « العير » للإيحاء بشمول الخبر ، وشيوعه حتى لو سئلت الجمادات والحيوانات عنه لنطقت به .
وهكذا تتجه دراسة الدلالة المجازية في القرآن من خلال العلاقة بين الدال والمدلول ، وارتباطهما بالسياق العام للآيات ، لأداء المعاني الدينية ، وإنّ أيّ إجراء بلاغي ، يفصل الصورة عن سياقها ، يضرّ بفهم الصورة القرآنية وما فيها من إعجاز في التعبير والتصوير ، ووحدة وانسجام وتناسق مع السياق ، والغرض الديني المقصود من التصوير ، وهذا ينطبق على دراسة التشبيه والاستعارة أيضا كما وضحنا سابقا ، كما ينطبق أيضا على « المجاز العقلي » القائم على علاقة إسنادية ملحوظة في التعبير ، فقوله سبحانه وتعالى :
« عِيشَةٍ راضِيَةٍ »
القارعة : 7 يقوم الإسناد المكون من الدال والمدلول في رسم صورة بديلة عن الإسناد الحقيقي « عيشة مرضية » للإيحاء بالرضا الملازم للعيشة ، والمتحد بها ، وكأن العيشة والرضا أصبحا شيئا واحدا ، لا ينفصلان . بخلاف التعبير ب « عيشة مرضية » فإن الرضا يبدو منفصلا عنها ، ومحدودا .
وفي قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
الأنعام : 6 نلاحظ أن إدراك المدلول « المياه » يتم من خلال إسناد الجري للدال
الْأَنْهارَ
ولكن العلاقة قوية بين الدال والمدلول في الذهن ، لما بينهما من التجاور والارتباط ، والتعبير القرآني يستغل هذا الارتباط بين الاثنين ، للإيحاء بأن الأنهار كلها تفيض مياها وخصبا ونماء . و « الكناية » أيضا من الصور البلاغية التي تقوم على الدال والمدلول معا ، فهي تعبير غير مباشر عن المعنى ولا يمنع المدلول المقصود من التعبير من إرادة الدال القريب منها ولكنها تعتمد على إخفاء المدلول البعيد وستره بالدال القريب الذي يومئ للبعيد ، ويوحي به ، يقول عبد القاهر الجرجاني في تعريفها : « أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه ، ويجعله دليلا