تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ويوضّح طبيعة التفاعل بين الطرفين بقوله : « إن الاستعارة عبارة عن فكرتين اثنتين ، عن شيئين مختلفين تعملان خلال كلمة أو عبارة واحدة ، تساندهما معا ، ومعنى هذه الكلمة أو العبارة هو الناتج عن تفاعلهما » « 28 » . لذلك يصعب استخراج طرفي الاستعارة لما بينهما من تفاعل مستمر . وقد أدرك الزمخشري من قبل هذه الصعوبة فاختار مصطلح « التخييل » لكي يبقى على التفاعل المستمر بين طرفي الاستعارة « 29 » . كذلك فإن الدكتور ناصف يرى صعوبة تحليل الاستعارة على أساس الطرفين المختلفين ، لأن الطرفين فيها يتفاعلان حتى غدت « الاستعارة هي الحقيقة وأصبح تحليلها غير ممكن » « 30 » . من هنا ندرك أن تقسيم الاستعارة إلى تقسيمات عقلية ، أو تحليلها إلى أجزاء مكونة لها ، أو إجرائها على طريقة القدماء من خلال الرؤية الثنائية للعلاقة بين الحقيقة والمجاز ، كل ذلك يفقدها حيويتها وتأثيرها ويجردها من سياقها ، وفاعليتها ، ويجعلها جزئية مفككة ، وهي في حقيقتها وحدة منسجمة ، يتفاعل فيها المستعار والمستعار له ، لتوليد المعنى المراد ، فهي طريقة فنية مثيرة للخيال ، والفكر والشعور وقد تميّزت استعارات القرآن بأنها تمزج بين حدّي الاستعارة ، لتشكيل المعنى الجديد ، كما أنها متنوعة تجري على ألوان مختلفة لاستفاد ما في اللغة من طاقة تصويرية . وقد يكون الاستعمال الاستعاري في القرآن ، قريبا من الإدراك ، لقرب الاستعمال الحقيقي للكلمة من الاستعمال المجازي . كقوله تعالى :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
الأعراف : 168 ، والتقطيع في الآية هو التفريق ، ولكن المعنيين متقاربان ، يتفاعلان في الاستعمال الاستعاري للإيحاء بتقطيع الرواب الاجتماعية ، التي كانت متلاحمة ومتماسكة ، وتقطيع الروابط النفسية المصاحبة لتلك الروابط الاجتماعية . وكأن التقطيع هنا لإفادة استئصال الروابط الاجتماعية والنفسية المصاحبة لها . وقد يستعمل القرآن الكريم لفظ « مزّق » بدلا من قطّع ، للإيحاء بالتمزيق الحسي أو المادي ،
هامش
( 28 ) نظرية المعنى في النقد العربي : د . مصطفى ناصف ص 86 . ( 29 ) الصورة الأدبية : ص 87 - 88 . ( 30 ) المصدر السابق : 133 .