تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
هذين المفهومين ، ومن خلال الأعراف اللغوية القائمة ، والتناسب المنطقي . ولم يدركوا ما في الاستعارة من تداخل وتفاعل وصهر وإعادة تشكيل للمعنى « 23 » ، باستثناء الجرجاني الذي نظر إليها من خلال مفهوم « الادّعاء » وليس من مفهوم النقل اللفظي ، فقد رأى صعوبة تصور نقل الكلمة من معناها الأصلي ، ونحن نقصد معناها في الوقت نفسه ، لذلك استبعد « النقل » من مفهوم الاستعارة ، وأكّد مفهوم « الادّعاء » فيها . يقول الجرجاني عن الاستعارة : « إنما هي ادّعاء معنى الاسم للشيء لا نقل الاسم عن الشيء » « 24 » . فالجرجاني يرى أن الاستعارة تترجم المعنى ، وليست تفاعلا لتشكيل المعنى الجديد ، لذا حرص على التمايز والادعاء بين طرفي العلاقة والتناسب والمشابهة فنظر إليها كما نظر إلى التشبيه من خلال المنطق العقلي . وإذا كان التشبيه يقوم على القياس والمشابهة بين حدين واضحين ، فإن الاستعارة تتجاوز هذه المشابهة لادعاء دخول المشبه في المشبه به ، « فتضع اللفظ بحيث تخيل أن معك نفس الأسد والبحر والنور كي تقوي أمر المشابهة وتشدده » « 25 » ، فالاستعارة - عنده - ليس نقلا للفظ عن معناه الأصلي ، وإنما تخييل بأنه قد صار إلى غير جنسه ، ولكن عبد القاهر رأى أن ادعاء دخول المشبه في المشبه به لا يقصد بهذا الادعاء أن المشبه يشبه المشبه به في كل شيء ، وإنما في صفة معينة ، وهذا يعني أن الجرجاني ، عاد من جديد إلى رأي البلاغيين في نقل اللفظ عمّا وضع له في الأصل « 26 » . فنظرة القدماء للاستعارة ظلّت تقوم على مفهوم « النقل » وثنائية المنقول منه والمنقول إليه ، ولم ينظر إلى طرفي الاستعارة على أساس التفاعل بينهما ، بحيث يقوم كلا الطرفين ، بدورهما في الاستعمال الاستعاري . فالمستعار والمستعار له يجتمعان في لفظ الاستعارة ، ولا يترك أو ينسى واحد لحساب الآخر عند الدكتور مصطفى ناصف الذي يرى أن الاستعارة وليدة التفاعل بين المستعار والمستعار له ، لتوليد المعاني « 27 » .
هامش
( 23 ) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي : ص 225 - 240 . ( 24 ) دلائل الإعجاز : ص 437 . ( 25 ) أسرار البلاغة : ص 210 . ( 26 ) المصدر نفسه : 47 - 48 . ( 27 ) الصورة الأدبية : ص 142 .