تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
من الاستعارة لم يلتفت إليها كثير من البلاغيين قبل الزمخشري « 31 » . ففي قوله تعالى :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
البقرة : 5 صورة حية ، واضحة المعالم ، تعتمد على تمثيل حال المهتدي في ثباته وتمكنه من الحق ولزومه إياه ، بالراكب على جواد ، فاستعيرت هذه الهيئة للدلالة على حال المؤمنين ، واكتفى التعبير القرآني باستخدام الحرف « على » الذي يوحي بالتمكن من الشيء والثبات عليه فالحرف هنا هو الذي يكوّن الصورة المرسومة في المخيّلة ، وهذا كثير في الأسلوب القرآني ومنه قوله تعالى :
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ
الأعراف : 66 ، فحرف الجر « في » يفيد الظرفية ، وتركيبه في هذا السياق يوحي بصورة حية للضال الذي انغمس في الغي والسفاهة حتى لا يكاد يبصر . وهكذا لاحظنا كيف أن الصورة القرآنية ، مرتبطة بالسياق ، الواردة فيه ، لأداء الغرض الديني من وراء التصوير ولكن الصورة القرآنية ليست صورة شكلية وإنما هي فنية متولّدة من تفاعل عناصرها ، وتلاحم الشكل بالمضمون ، والفكر بالشعور ، والغرض الفني بالغرض الديني ، وهذا ما جعلها تكتسب هذه الخصوصية المتميزة في التعبير والتصوير والتأثير الديني . ونلاحظ هذا أيضا في الصورة القائمة على المجاز ، والمجاز له أهمية في التعبير الفني ، لارتباطه بالصورة وأنواعها ، ولكنه أسيء فهمه حين وضع في مقابل الحقيقة ، حتى أصبح للكلمة دلالة حقيقية لغوية ، ودلالة مجازية فنية ، عند القدماء ، ولم يكتفوا بذلك بل قيّدوا الدلالة المجازية بالعلاقة والقرينة لتبقى الدلالة الحقيقية للكلمة ، حماية للغة من العبث والفوضى التعبيرية . لهذا اختلف العلماء في ورود المجاز في القرآن الكريم ، بين مؤيد ومعارض ، بعد أن توهم المعارضون بأن المجاز قرين الكذب ، ويناقض الحقيقة ، وأن اللجوء إليه دليل العجز عن التعبير الحقيقي « 32 » . والحق أن المجاز ظاهرة فنية في كل اللغات ، وهو في اللغة العربية أوضح من غيرها ، لأنّ العربية هي « لغة المجاز » كما يقول عنها العقاد « 33 » ، ولكن المجاز لا يوضع في مقابل
هامش
( 31 ) التصوير البياني : د . محمد أبو موسى . ص 223 - 224 . ( 32 ) المجاز في البلاغة العربية : ص 143 وما بعدها . ( 33 ) اللغة الشاعرة : ص 26 .