تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
وهذا التسبيح الكوني ليس مستغربا ، لأن الوجود كلّه لله ، فهو المالك له ، والمتصرف فيه . وهو الخالق له
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها ، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
الحديد : 4 . إن القرآن الكريم بهذه الصور الحسية والمعنوية والمعنوية ينشئ عقيدة ، ويبني تصورا للحياة والإنسان والكون ، تصورا ربانيا صافيا بعيدا عن انحراف التصورات والعقائد ، وتعقيدات الفلاسفة والمتكلمين . ويصوّر علم الله المطلق ، ويقارنه بعلم الإنسان المحدود ، وأنّى للمحدود أن يحيط بغير المحدود
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
الكهف : 109 . وقريب من هذا التصوير قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لقمان : 27 . فالتصوير هنا ينتزع من مشاهدات الناس ، ومعلوماتهم لتقريب علم الله إلى تصورهم ، فالأشجار والأقلام والبحار والمداد تنفد لأنها محدودة ، ويبقى علم الله لأنه غير محدود . إنه علم مطلق كامل . أمام هذه الصورة الضخمة في أبعادها ، وظلالها ، وحقيقتها ، تبدو صورة الخلق والبعث مدركة بيسر وبداهة ، لذا جاء بعد ذلك قوله تعالى :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
لقمان : 28 . ويصوّر القرآن الحضور الإلهي مع الإنسان واطلاعه على سره وجهره ، لبعث الخشية في نفسه
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
آل عمران : 5 . فالكون كله أرضه وسماؤه ملكه ، فهو المتصرف فيه ، ويد القدرة تمسك به ، ومن في الأرض والسماء هم خلقه ، فهم لا يخفون عليه ، يعلم سرهم ونجواهم ، بل إن الصورة ترسم علما مطلقا وهو ما يلحظ في تنكير كلمة « شيء » لتفيد العموم لكل شيء . ويصوّر القرآن علم الله بغير المنظور أيضا ، وهو الغيب :
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
فصلت : 47 .