فتستمتع الطاقة الحسية للإنسان بالتصوير الحسي للحقائق الدينية ، كما تستمتع الطاقة المعنوية له من خلال امتزاج الحسي بالمعنوي في الصورة القرآنية .
وهذه ميزة الصورة القرآنية ، فهي ليست صورة شكلية بل هي صورة لها وجهان ، وجه حسي يقابله وجه معنوي . وهما متلاحمان ممتزجان لتلبية الطاقة الحسية والمعنوية في الإنسان .
والطاقة المعنوية هي ميزة الإنسان عن بقية المخلوقات ، تمنحه القدرة على الإدراك والتفكير والعمل .
والصورة تشبع هذا الجانب في الإنسان ، بعرض حقائق الحياة والوجود ، وحقائق الدين والإيمان والعقيدة ، وحين تتشبع النفس بالعقيدة والإيمان والعبادة ، تقوى وتنشط للعمل في الحياة .
فهذه الطاقة المعنوية قوة إيجابية للإنسان ، تدفعه للعمل في الحياة بحماسة وعزيمة ، والتعامل مع الواقع على أسس الإيمان ، ولا تجعل الإنسان سلبيا في مواقفه من الحياة والواقع .
وفرق كبير بين الخضوع للواقع بما فيه ، وبين التعامل معه ، لإصلاحه وتوجيهه ، وتعميره وبذلك يرتبط الحسي بالمعنوي في النفس والحياة معا ، فهما متلازمان في الطبيعة البشرية المزدوجة من مادة وروح وأيّ خلل بين الحسي والمعنوي في الكيان الإنساني يؤدي إلى تدميره ، وإخراجه من صورته الإنسانية إلى صورة أخرى . كما ورد ذلك في تصوير الذي انسلخ من آيات الله ، وأخلد إلى الأرض ، متّبعا هواه وشهواته . يقول تعالى فيه :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
الأعراف : 175 - 176 .
وإذا استعرضنا الصور القرآنية نلاحظ فيها امتزاج الحسي بالمعنوي ، في مخاطبة فطرة الإنسان ، كقوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
الرعد : 2 .
فالصورة الكونية الحسية ، تتجاور في التعبير مع الصورة الغيبية ، لكي يتمّ مخاطبة