تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
في خيال الإنسان بعد نهاية الأحداث ، بكلّ ما صاحبها من مشاعر ، وتوجيهات وإيحاءات نفسية . كذلك استمدّت الصورة القرآنية عناصرها أو مادتها من الواقع المحسوس ، لأنّها عناصر باقية ومؤثّرة ، فوجدنا كثرة صور النباتات والزروع ، والسراب . . . إلخ . وأحيانا تستمدّ مادتها من عناصر غير محسوسة ، لإثارة الطاقة التخيلية ، لدى الإنسان كما رأينا في شجرة الزقوم التي تشبه رؤوس الشياطين ، وتصوير عصا موسى « تهتز كأنها جان » ، وتصوير نعيم الآخرة ، والعذاب ، بصور حسية ، لتقريبه من ذهن الإنسان ، ولكن هذه الصور الحسية تثير مخيّلة الإنسان لتصوّر ما في الجنة من نعيم ، وما في النار من عذاب أليم . وكذلك نلاحظ أنّ الصور الحسية ، تعنى بتصوير جمال الأشياء ، لإثارة المخيّلة ، فالسماء تزينها الكواكب وصورة الظلال المتحركة الممتدة ، وصور النباتات والثمار المتنوعة ، وصور النعيم كلّها صور لا تقف عند إشباع الحاجات النفسية الضرورية للإنسان ، وإنما تنتقل إلى إشباع الحاسة الجمالية أيضا عن طريق إثارة الخيال ، ليتمتع بالصور المرسومة ، التي تلقي ظلالها الموحية في النفس والخيال معا . وهذه الصور لا تهدف إلى مجرد إمتاع الخيال دون غاية دينية ، بل هي وسيلة فنية لتحقيق غرض ديني كقوله تعالى تعقيبا على صورة السماوات والأرض :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
آل عمران : 191 . فالصورة القرآنية تؤثّر في النفس ، ثم تبنيها بناء متكاملا متوازنا ، بالاعتماد على الصور الحسية والمتخيّلة فتشبع الفطرة من الواقع والخيال ، وتدفعها إلى العمل من خلال هذا التوازن بين الطاقتين . كذلك تشبع الصورة الجانب الحسي ، والمعنوي في الإنسان بما يتلاءم مع طبيعته المزدوجة من مادة وروح . فتشبع حواسه من خلال الصور الحسية المعروضة لآيات الله في الكون والحياة . وكما تخاطب الجانب الحسي فيه ، وتوقظه ، تخاطب الجانب المعنوي وتظهره أيضا ، حتى تبقى الفطرة الإنسانية بهذا التوازن بين الحسي والمعنوي .