تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
من الإنسان . وتجمّع الصورة مشاعر الكره في النفس ، وتفرغها في الشيطان ، وما يتعلق به من أفعال وشرور وجنود وأتباع . فتطمئن النفس وترتاح ، وتتوحّد قوى النفس في محاربة قوى الشرّ في النفس والحياة . وتخاطب الصورة الفطرة الإنسانية ، وما فيها من « طاقة الواقع وطاقة الخيال » « 14 » اللتين لا يقوم الكيان الإنساني إلا بهما . فكل طاقة لها عملها ونشاطها ، ولها مجالها ، وأجواؤها ، ولا بدّ من إشباع هاتين الطاقتين بما يحتاجان إليه من الغذاء ، كل طاقة على حدة ، ثم إقامة التوازن بينهما في النفس الإنسانية في النهاية ، حتى يكون الكيان الإنساني بدوره على أكمل وجه ، بحيث لا تطغى طاقة الواقع على طاقة الخيال ، فيصبح مادة لا روح فيها ، كما هو اتجاه الواقعية في العصر الحديث . التي تهمل الجانب الروحي في الإنسان ، وتجعل القيمة للمادة فقط ، فهي التي تتحكم في الإنسان والحياة ، وكانت هذه الواقعية ردة فعل على الرومانسية المفرطة في الخيال والبعد عن واقع الإنسان وما ركّب فيه من طبيعة مزدوجة « مادة وروح » فأغرقت الرومانسية في الخيالات المريضة ، والأوهام الفاسدة التي أفسدت الحياة الإنسانية ، وشوّهت جمالها . كما أغرقت الواقعية في الالتصاق بالواقع ، على حساب الخيال الإنساني ، حتى تحول الأدب الواقعي إلى صورة منسوخة عن الواقع ، ليس فيه إشباع لمخيّلة الإنسان . أما الصورة القرآنية فإنها تخاطب الطبيعة البشرية المزدوجة « مادة وروح » وما يتفرّع منهما من مشاعر واتجاهات ، متقابلة في النفس الإنسانية ، تثيرها الصورة القرآنية ، وتحركها من كوامنها ولا تكتفي بإثارتها فقط لتعمل بدون نظام أو انضباط ، وإنما تثيرها لتستجيب أولا ثم تتوازن ثانيا في الكيان الإنساني ، فتعمل هذه الاتجاهات متوازنة ثم يظهر هذا التوازن النفسي في سلوك الإنسان بما يليق بكرامة الإنسان وسيادته في هذا الكون . لذا رأينا كيف قامت الصورة بتصوير الواقع المحسوس بأرضه وسمائه ، وجباله وسحابه ، وأمطاره ، ونباته وأشجاره وثماره . . . إلخ . كما قامت بتصوير الأحداث الواقعة التي كان يمرّ بها المسلمون ، ورصدتها بدقّة ، لكي تجعل الواقع المعاش ، واقعا مصوّرا ، تبقى صورته ماثلة
هامش
( 14 ) منهج التربية الإسلامية : محمد قطب ص 148 .