والجن ، لتشعر الإنسان ، باتساع هذا الكون المخلوق لله ، وكثرة مخلوقات الله ، منها المعروفة ، ومنها المستورة ، وأنه ليس وحده في هذا الوجود ، فتتسع بذلك النفس ، وتنطلق الروح في تلك الآفاق الممتدة إلى ما وراء المحسوس الفاني ، وتستشرف ما فيه من أسرار .
وتعرض الصورة مشهدا للملائكة كلّه سمو وطهر ، لإشعار الإنسان بوجود قوى خيّرة في هذا الوجود يقول تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
غافر : 7 .
ففي هذا المشهد ألفة واتصال بين هذا العالم في السماء ، وبين المؤمنين على الأرض ، وهؤلاء الملائكة محبوبون من المؤمنين لطهرهم وسموهم وطاعتهم لربهم ، واستغفارهم للمؤمنين ، بينما صورة الشيطان مكروهة لأنها صورة شرّيرة .
بهذا يشعر الإنسان بوجود قوى خيّرة في الكون ، تناصره ، وتحبّه ، وتقف معه ، فتتجاوب قوى الخير في السماء والأرض ، وهناك ، قوى الشر ، ممثلة في الشيطان وجنوده ، وهذه قوى شريرة ، لها أتباعها من الإنس أيضا ، يتجاوبون معها ، وينفذون أوامرها ، وهذه قوى يجب أن يحذرها الإنسان ويبتعد عنها .
هكذا تسير الصورة ضمن منهج تربوي هادف ، لبناء الإنسان ، من خلال إقامة التوازن بين مشاعره ، ثم في تجسيد هذا التوازن في سلوكه أيضا .
وصورة انتهاء العالم المحسوس ، وبداية عالم غير محسوس ، صورة مؤثّرة في النفس ، كما أنّها تعطي للحياة آفاقا جديدة ، وقيمة وامتدادا ، واتساعا في التصور ، ومساحة واسعة في النفس ، وضبطا للدوافع والغرائز .
وتتخذ الصورة من المحسوس وسيلة لبلوغ ذلك العالم غير المحسوس ، فهي تعرض لنا عالم الآخرة بصور محسوسة لتقريبه من الإدراك والتصور ، أو أنها تجعل الآخرة امتدادا للدنيا بتداخل الصور والمشاهد بين العالمين .
ثم إنّ موعد انتهاء الدنيا غيب مجهول ، يجعل الإنسان مستعدا دائما للرحيل عنها .
والصورة تنقل لنا هذا الغيب المجهول في صورة قدوم السفينة ، ليظلّ الإنسان في حالة انتظار واستعداد
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها
النازعات : 42 - 43 .