تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
الأقوال إلى التجربة والملاحظة وقديما ذكر اللغويون اللفظ الوحشي ، واللفظ الوعر ، ولم يذكروا سببا للوحشية ولا للوعورة ، وجاء الرماني ليعلّل سبب التنافر والتلاؤم ، وسلامة اللفظ ، ورقته ، وطلاوته ، ولعلّه قد استعان بدراسة الخليل ليوضّح صلة حركات اللسان بجمال اللفظ ، وتمتّ هذه الملاحظة إلى ما ظهر في علم الجمال حديثا من قولهم بأن الجمال يرجع في ناحية من نواحيه إلى رشاقة الحركات والاقتصاد في الجهد العضلي » « 8 » . وقد اتّخذ ابن سنان الخفاجي من تباعد مخارج الحروف مقياسا فنيا لمعرفة فصاحة اللفظة ، وسهولة نطقها ، ويقارنها بأثر الألوان في العين ، وحسن منظرها ، فكلّما تباعدت الألوان ، كانت أحسن منظرا من الألوان المتقاربة وكذلك تباعد مخارج الحروف هو المقياس في فصاحة الكلمة وحسنها يقول : « الأول أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج وعلة هذا واضحة ، وهي أن الحروف التي هي أصوات تجري في السمع مجرى الألوان من البصر ، ولا شكّ أن الألوان المتباينة ، إذا جمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة » « 9 » . فابن سنان يعتمد في ترتيب الحروف على مخارج نطقها ، ويطبق نظرته على ضوء ذلك ، ابتداء من الحلق حتى الشفة ، ولكنه لم يطبّق هذه النظرة على اللفظة القرآنية ، واكتفى بتلاؤمها وسهولتها ، كما فعل الرمّاني . ويرى شوقي ضيف أن ابن سنان قد استفاد في نظرته هذه من علم التجويد يقول : « وأكبر الظنّ أنه انتفع في ذلك كلّه مما كتبه علماء تجويد القرآن من مباحث قيّمة » « 10 » . وقد ردّ ابن الأثير على ابن سنان نظرته تلك إلى الألفاظ ، فرأى أن حاسة السمع هي المقياس في جمال اللفظة إذ نرى كلمات متقاربة في مخارجها ، ولكنها حسنة رائعة في الآذان ، كالجيم والياء والشين ، فهي حروف متقاربة المخارج ، وتسمّى ثلاثتها « الشجرية » ، وإذا تألفت في الكلمة كان وقعها حسنا ومحمودا مثل لفظة « جيشان » « 11 » . ويبدو أن هناك علاقات أخرى بين الحروف غير مخارجها ، وهي « صفات الحروف » من
هامش
( 8 ) أثر القرآن في تطور النقد العربي : د . محمد زغلول سلام . ص 241 - 242 . ( 9 ) سر الفصاحة : ابن سنان . ص 66 . ( 10 ) البلاغة تطور وتاريخ : د . شوقي ضيف ص 152 . ( 11 ) المثل السائر : 1 / 152 .